آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 5:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

دعشنة.. المدراء

محمد أحمد التاروتي *

لم يعد الفكر الداعشي يقتصر على احتكار الفهم الصحيح الاسلام واخراج الطوائف الاسلامية من الملة وسلب الاخرين حرية التعبد وفق معتقداتهم السماوية ”المسيحية - اليهودية“ بل اتسعت الدائرة لتصل الى المسؤولين في الدوائر الرسمية، بحيث اضحت الحرية الشخصية امر محرم، وفقا للقاعدة ”من ليس معي فهو ضدي“، بمعنى اخر، ان رفع الصوت تعبيرا عن الاحتجاج ضد الممارسات التعسفية التي يمارسها بعض المدراء في المؤسسات الرسمية يمثل سابقة خطيرة تتطلب الرد الحاسم ولعل اقلها ”الحسم“ واشدها رفع التقارير الكيدية لقطع الرزق او محاولة الازاحة من الطريق عبر النقل التعسفي.

فرضت الدعشنة ”الادارية“ نفسها على الواقع عبر ممارسات مختلفة، اذ لا يجد المرء صعوبة في تلمس هذه الافة الخطيرة التي تعشعشت في تفكير بعض المدراء، اذ يعتقد البعض ان الادارة تتطلب سلب الاخرين التفكير واجبارهم على العمل كالآلة، فيما القرآن يصدح منذ 14 قرنا بالقول ”لا اكراه في الدين“ و”تعالوا الى كلمة سواء“ وغيرها من الايات الكريمة التي تؤسس لمبدأ الاستقلالية والحض على التفكير بعيدا عن الضغوط الاجتماعية او السياسية او الاقتصادية.

تغلغل الفكر الداعشي القائم على ”الغلبة“ او الاقصاء ليس نتاج ثقافة وقتية وانما نتيجة تراكمت فكرية واجتماعية وجدت مناخا مناسبا للانتشار، اذ لا يمكن للفكر الظلامي للنمو بدون وجود ارض خصبة تسهم في ترعرع هذه النبتة السامة، بمعنى اخر فان بروزها للعلن جاء نتيجة سيطرة هذا الفكر على الواقع الاجتماعي، فيما كانت تلك الممارسات تمارس في الخفاء سابقا، نظرا لعدم وجود مناخ يدعم مثل هذه التوجهات، وبالتالي فان التفرج وعدم التصدي لمثل هذه الممارسات سيحمل الكثير من الاثار السلبية على بيئة العمل التي يفترض ان تسودها الالفة والمحبة بعيدا عن البغضاء والدسائس والتقارير الكيدية التي تستند للحقائق على الارض.

لا ريب ان المدراء يمتلكون الصلاحيات وفقا للنظام، بيد ان تجاوز النظام يمثل خطورة كبرى، فالاثار السلبية لفرض الرأي الواحد على الاخرين تمثل بداية النهاية، فالدوائر التي تفتقر للتفكير وتعتمد على رأي ”القائد الملهم“ و”القائد الضرورة“ وغيرها من المسميات المختلفة، فانها تحفر قبرها بيدها، نظرا لتوقفها عن التطور ومواكبة التحديات الانية والمستقبلية، فكما قال الامام علي ”لا صَوَابَ مَعَ تَرْكِ المَشْوَرَةِ“ وقال ”من استبد برأيه هلك ومن شاور الناس شاركها في عقولها“.

ان عملية التخلص من الدعشنة الادارية مرهونة بسيطرة الفكر القائم على ترك مساحات واسعة للفكر الاخر، فالاحكام المسبقة على الاخرين تولد مزيد من الاستبداد والممارسات غير العقلانية التي تترك اثارها على بيئة العمل، وبالتالي فان استمرار الماكنة الداعشية في ضخ افكارها يمثل رافدا قويا لاستدامة هذه الممارسات التعسفية الخارجة عن روح النظام الذي يعطي كل ذي حق حقه، فكما يرفض العقلاء تجاوز الموظف للتدرج الوظيفي في التعاطي مع المدراء، فان المنطق نفسه يمنح الموظف الحصانة القانونية ضد الممارسات التعسفية المتجاوزة لكافة الصلاحيات المنصوص عليها في النظام.

كاتب صحفي