آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

هل مجتمعك حي أم ميت؟!

أحمد العلي النمر

الموت قضاء حتمي لا مفر منه على كل كائن حي... ولكن هناك موت آخر... موت مع حياة... موت معنوي يصيب الفرد ويصيب المجتمع... أما الفرد الحي الميت فهو كما وصفه الشاعر: -

ليس من مات واستراح بميت.... إنما الميت ميت الأحياء

أما «المجتمع الميت» فهو مجتمع على قيد الحياة ولكن بلا وزن ولا تأثير ولا دور فاعل بين الأمم «غثاء كغثاء السيل»... ومجتمعاتنا الإسلامية - مع شديد الأسف - هي أكثر مجتمعات أهل البسيطة موتا وتخلفا.... رغم أن القرآن الكريم الذي تدعي هذه المجتمعات أنها تستمد دساتيرها وقوانينها منه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة في سبيل انتشال هذه المجتمعات من هذا الموت إلا وذكرها.... مثل... لا تجسسوا.... لا يغتب بعضكم بعضا... لا تأكلوا الربا... لا تقربوا مال اليتيم... إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا... اجتنبوا قول الزور... لا يجرمنكم شنآن قوم... لا تقربوا الزنا... قوا أنفسكم واهليكم... ادخلوا في السلم كافه... قولوا للناس حسنا... لا تنازعوا... تعاونوا على البر والتقوى... وتواصوا على الصبر... الخ.. وجميع هذه التوجيهات والنصائح القرآنية الكثيرة التي وردت بصيغة الجمع وحتى تلك وردت بصيغة المفرد تحرص اشد الحرص على «إحياء» المجتمع وحفظه من «الموت» وهي في مجموعها تتمحور حول قوله تعالى: -» يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا «يُحْيِيكُمْ»...

وهنا يأتي السؤال: - كيف لنا أن نتعرف على مجتمعنا هل هو حي أم ميت؟

الجواب: - من المفترض بديهيا أن المجتمع «الإسلامي» يولد «حيا» على الفطرة ولكنه «يموت» وينهار نتيجة أسباب وعوامل عديدة يرتكبها الناس الذين يتكون منهم هذا المجتمع نذكر منها: -

رجل الدين بين الصلاح والإصلاح

لا جدال في أن رجل الدين وعالم المنطقة يكون في العادة «صالحا» في نفسه ولكن ليس بالضرورة أن يكون «مصلحا اجتماعيا»، وبالتالي فليس كل تصرف في الشأن الاجتماعي من كل صاحب عمامة يكون صالحا... كثير من أصحاب العمائم يفسدون من حيث يريدون أن يصلحوا، بحسن نية أحيانا وبدونها أحيانا أخرى... والسعي وراء مثل هؤلاء بدون تعقل ومحاسبة وبدون سماع ما لدى الآخرين ومقارنته هو من قبيل «النعيق مع كل ناعق» وهو احد عوامل موت المجتمع.

تأليه الرموز والشخصيات

يتصور البعض أن آيات القرآن الزاجرة والناهية والآمرة مثل... لا يغتب بعضكم بعضا... أو... إن جاءكم فاسق بنبأ... أو... لا تنازعوا... أو... لا تعاونوا على ألاثم والعدوان... أو غيرها من الآيات الشبيهة إنما نزلت لتحذير بسطاء الناس وجهالهم أما كبار القوم والرموز فهم أرفع وأجل شأنا من أن تنطبق عليهم مثل هذه العبارات... ومتى ما أصبحت هذه الثقافة هي السائدة فلاشك أن المجتمع في طريقه نحو الموت.

الازدواجية في التعاطي مع الأحداث

نعيب على إعلامنا العربي ونصفه بالمتخلف في تعاطيه مع ما يجري في البحرين مقارنة مع تعاطيه بما يجري في سوريا مثلا... فإذا وجدنا في مجتمع من مجتمعاتنا من يمارس هذه الدور تجاه شخصيات ورموز فيغمض العين ويطبق الفم ويسد الأذن عن ما يجري على البعض من انتهاكات واضحة وصريحة، ولكن عندما يُنتقد احد الرموز الأكثر نفوذا وسيطرة أو يُقال له أخطأت فإن حالة من الغضب والهيجان ستحدث وستُسخّر كل الوسائل الممكنة للدفاع عنه من خطب جمعة وكتب ومنتديات الانترنت وغيرها ثم تتحول هذه القضية إلى همٍ اجتماعي تتصاغر أمامه كل هموم الأمة ومشاكلها... ومتى ما وجدت - أخي القارئ الكريم - مثل هذا التوجه في مجتمعك فاعلم انك تعيش في مجتمع ميت.

الاختلاف والخلاف

المجتمع يتكامل بتنوع أطيافه وتياراته وثقافاته وتجاربه ولكل منها دور في هذا التكامل تماما مثل تتنوع أصابع اليد في الشكل ولكن لكل إصبع دور ومهمة يقوم بها لا نكتشفها إلا عندما نفتقد احدها... المجتمع الذي يرفض هذا التنوع وهذا الاختلاف وتتحول مواقعه الدينية والثقافية والاجتماعية إلى ساحات للمقاطعة والتهميش والإقصاء ونبذ الآخر هو بلا شك مجتمع ميت.

تبعية النخب المثقفة

تحرص الدول المتقدمة والبرلمانات الحرة على أن يكون بينها جبهة معارضة تكون بمثابة خط الدفاع الأول لتقويم أي انحراف قد يحدث في مسيرة إدارة الدولة... وهذا ما يفترض أن تلعبه النخب المثقفة الواعية المستقلة في المجتمعات المتحضرة... أما إذا تحولت هذه النخب إلى جهاز دعائي تحت مظلة الرمز «المهيمن» تبرر له أخطاءه وتعينه على بسط ديكتاتوريته وتسلطه بدلا من أن تقف في وجهه وتمنعه من الانحراف فان الكارثة المميتة ستحل بالمجتمع.

العلة الداخلية

كثير ما نتحدث عن خطر التأثيرات الخارجية التي تهدد مجتمعاتنا ونحاول أن نجد الحلول لتفادي خطرها... ولكننا نغض الطرف كثيرا عن الخطر الداخلي مع أن التاريخ يحدثنا أن انهيار اكبر الحضارات في التاريخ كان بسبب الوهن الداخلي وانتشار الفساد والخلافات والتسلط والديكتاتورية وغياب العدالة والاستفراد باتخاذ القرار والتهاون بقيم الدين وغياب الحس الاجتماعي... وأي مجتمع مهما ارتقى وارتفع شأنه إذا لم يحصن نفسه داخليا عن مثل هذه الأمراض فهو عرضة للموت والانهيار مثله مثل غيره... قال تعالى محذرا ومنبها ﴿أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون