آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 9:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في السلوك الدكتاتوري ومحاولة للفهم

هاني العبندي

التاريخ الإنساني مليئ بقصص الدكتاتورية التي تعبر عن الجانب المظلم في الحياه البشريه من بداية عصر الأنبياء حتى عصرنا الحالي، بل أنه قد يتطور بصورة غير متوقعة والذاكرة التاريخية مليئة بما يكفي ذلك.

في معنى الدكتاتور « الحاكِمُ الَّذِي يَسْتَوْلِي على جَميعِ السُّلَطِ وَيَحْكُمُ حُكْماً مُطْلَقاً وَلا يَسْتَشِيرُ أَحَداً في أَحْكامِهِ، الَّتِي تَكونُ في كُلِّ الأَحْوَالِ ضِدَّ رَغَباتِ الشَّعْبِ»، بعبارة آخرى هو الذي يمتلك قوة غير محدودة على كافة مؤسسات الدولة " السلطة التشريعة والسلطة التنفيدية والسلطة القضائية ويختزله في شخصه.

النموذج الفرعوني في عصر النبي موسى .

حينما دعا النبي موسى قومه إلى عبادة الله سبحانه وتعالى بأمره ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ كان نبي الله موسى يخشى أن يكذبو رسالته ﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون من خلال سياق هذه الأية يفهم إن التكذيب هي من صفات الدكتاتور فهو دائما لا يستطيع التصديق والثقه في الأخرين، أيضا في آية آخرى نلحظ كيف إن فرعون كان يذكر النبي موسى حينما كان طفل رضيعا ً وكيف أنه أعتنو به، وبناء على ذلك ما كان ينبغي على النبي موسى أن يفعل كل ذلك كــإستحقاق، بل لا بد أن يستشيره وإلا فــالحرمان هو المصير.

﴿قال ألم نربك فينا وليد ولبثت فينا من عمرك سنينو يكمل فرعون ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين.

﴿قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين، الدكتاتور فرعون كان يهدد نبي الله موسى بالسجن لمجرد أنه كان يدعو إلى عبادة الله. وحينما أجتمع النبي موسى مع السحرة وتكشفت لهم الحقائق أمنو بالله ﴿فألقى السحرة ساجدين وفي أعترافهم بالحق ﴿قالو آمنا برب العالمين وجاء ذلك كــالصاعقة على رأس الدكتاتور كيف لكم أنم تؤمنو به قبل أن أذن لكم، هنا التصرف يعبر عنه بالغرور بالنفس فهو يرى نفسه أنه الوحيد المفكر والقادر على إعطاء القرار المناسب إلى الأخرين ولا بد من الرجوع له، ﴿قال أمنتم له قبل أن أذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم أجمعين فهو يطلب منهم أخد الأذن وإلا سوف يكون التقطيع والصلب مصيرهم.

دكتاتور العراق صدام حسين

في التاريخ المعاصر لا زالت تسجل الكثير من سلوك الدكتاتوريين لا سيما بعد سقوط النظام العراقي المتمثل في صدام وحتى يومنا هذا.

من سلوك الدكتاتور صدام أنه لا يكتفي بــ التهديد بالسجن أو جعله واقع بل كان يمارس أبشع أنواع التعذيب الذي تقشعر له الأبدان، ينقل السيد محمد رضا الشيرازي «رض» عن أخيه السيد حسن الشيرازي «رض» الذي قتل على يد جلاوزة النظام العراقي في لبنان أنه حينما كان في العراق، أعتقل وعذب تعذيباً نفسيا وجسدياً شديداً « علقة رجليه بالمروحه وظل ثلاث أيام بلياليها معلقاً فوق على عقب»، كان يأمر جلاوزته بتسجيل مشاهد التعديب، أذكر هنا مشهد التعديب الجماعي لمجموعة من السجناء، كان العساكر ينهالو بالضرب والركل في كل مكان على أجساد الجسناء دون رحمة أو شفقة، أيضا في مشهد آخر كان يرمى المعتقلين من مكان شاهق وهم مغمضي العينين. هذا السلوك الوحشي الفاشي الذي تمثل في شخص صدام، مارسه فرعون في قومه في ذلك الوقت إلا أن صدام إستخدم أساليب اكثر وحشيه.

في كتاب« التخلف الاجتماعي: سيكولوجيا الإنسان المقهور»، للكاتب مصطفى حجازي، يصف الإنسان المقهور «يعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله، إنه في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره، ويخشى أن ينكشف باستمرار، يتمسك بشدة بالمظاهر التي تشكل سترا واقيا لبؤسه الداخلي» وفي توصيف دقيق جدا عن الحالة السلوكية للدكتاتور « حساسيته مفرطة جدا لكل ما يهدد المظهر الخارجي الذي يحاول أن يقدم نفسه من خلاله للآخرين» دكتاتور العراق كان عبارة عن شخصية تعاني القهر منذ الطفولة فشكلت ظروف حياته وبيئته مع عوامل أخرى شخصيته الدموية. ينقل عن صدام في فترة حكمه مقولة « من أراد أن يحكم من بعدي فـليحكم من غير شعبي » لم يختلف صدام عن الدكتاتور فرعون حينما أنزعج جدا من السحرة حينما أمنوا بما جاء به النبي موسى دون إذنه وهددهم بقطع أيديهم وأرجلهم، إنه ذات السلوك الدكتاتوري.

دكتاتور ليبيا معمر القدافي

في الذاكرة العربية يذكر كيف أن طاغية ليبيا جعل من شخصيته محل تقديس وراح يتصرف على أنه المفكر والرئيس الأوحد والأقدر على إدارة ليبيا. ومن المناصب التي تولاها القذافي في بداية الأستيلاء على الحكم عام 1977 •رئيس مجلس قيادة الثورة، قائد عام القوات المسلحة الليبية وفيما بعد قائد أعلى، وزير الدفاع ورئيس مجلس الأمن القومي، رئيس مجلس القضاء الأعلى، رئيس مجلس التخطيط الأعلى. كل هذه المناصب تبين كيف إن الدكتاتور لا يثق في الأخرين ويرغب في إمتلاك كل مصادر القوة وذلك تعبير عن حال ضعف لا عن قوة وذلك كما يؤكد علماء النفس.

و كانت أشهر قضية عربية عرف بها هي قضيه إختفاء السيد موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين في الحادي والثلاثين من أغسطس آب عام 1978. وتشير الأدلة عن مسؤلية النظام الليبي كاملاً بل أعتبر ذلك جريمة أختطاف لشخصية وطنية أجمع عليها الكثير من المواطنين اللبنانيين. وفي تصريح سابقا عن النائب علي خريس عضو هيئة الرئاسة في حركة «امل» لصحيفة عرب تايمز« الامام الصدر حيث ذهب الى ليبيا ذهب من اجل قضية توحيد العرب ودرءا لخطر عن لبنان وتحديداً عن الجنوب لأنه كان يعي حجم الخطر وحجم المخطط الذي كن يحاك تجاه القضية الفلسطينية والقضية اللبنانية وتجاه مستقبل لبنان» لمجرد حوار في مثل هذه قضايا محورية وهامة كان مصيره ومرافقيه التغييب قسراً وإخفاء مكانهم وتظليل السلطات اللبنانية وأهاليهم. أيضا بث على القنوات الفضائية بعد سقوط طرابلس والقبض على القدافي جثث غير معروفه في غرف التبريد مضى عليها ما يقارب 30 سنة لم تدفن، أي أنه لم يكتفي بالسجن والتعذيب بل حتى مارس القتل بدم بارد ولم يدفن جثمانهم. أمام هذه السادية التي لم يتوقع الإنسان المعاصر أن يصل الدكتاتور الى هذا المدى من الاانسانيه، كان من أشهر أقواله وأفعاله « أنا لست ضد اليهود وتمنيت أني لم أكن عربياً» وكان يجعل السابع من نيسان من كل عام يوم تنفيد الأعدمات بحق معارضيه وقيل إن السبب وراء ذلك أنه يصادف عيد الفطر التلمودي كما يؤكد المؤلف جاك تايلور في كتابه بعنوان أوراق الموساد أن إمه من أصول يهودية كانت تعيش في منطقة سرت الليبية.

المطلع على تاريخ الدكتاتوريات وسلوكهم من عصر الأنبياء وحتى عصرنا الحالي يلحظ كيف إن التهديد بالسجن هي اللغة السائدة مع الفارق الزمني، فما أن تطالب بالحقوق الإساسية، كالعدالة والحرية لك أو لغيرك. كل ذلك تعبير عن شخصية تعاني من القهر والحرمان سواء معنويا او ماديا.