آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

مسلسل نكبات ربيع العار العربي.. إلى أين..؟!

أحمد علي الشمر *

تتايع مسلسل المصائب والكوارث والنكبات التي تحل حاليا بأمتنا العربية، هو أمر مريع ومخيف ولا يحتمل، فلاشك بأن هذه النكبات المتتابعة والتي أصبحت عدواها كمكروبات خبيثة متنقلة تسري وتنتقل من منطقة إلى منطقة ومن بلد إلى آخر، أصبحت دون ريب تثير القلق والذعر والهلع في النفوس قبل أن تصل أحداثياتها المروعة إلى الواقع المرير الذي نلمسه ونعايشه على أرض الواقع، فمنذ أن اندلعت شرارة سيئ الذكر لما تسمى بثورات العار العربي والأمة العربية من المحيط للخليج وهي تعاني التوترات والأزمات والتهديدات والهجمات والانفجارات الإرهابية جراء هذا العدوان السافر، الذى دخلت عليه الجماعات الإرهابية المتطرفة، بما جاءت به من دعاوي ومخططات مثيرة للنعرات والنزعات العرقية والطائفية، فيما توالت هذه الانتكاسات لتصل إلى دول أخرى اجتاحتها موجة هذه الشعارات الهوجاء وأصبحت تتعرض إلى هذه الحملات، حتى انتشرت فيها الحروب والقلاقل والكوارث والصراعات الدامية والمستمرة والتي لا تهدئ، ففتكت بأهلها وشردت شعوبها ودمرت منجزاتها وقضت على تراثها وتاريخها وحضارتها وأكلت الأخضر واليابس على أرضها..!!

ليتنا لم نعش مرحلة هذه الحقبة التاريخية المخزية، هذه الحقبة الضبابية السوداء في سماء وتاريخنا العربي، وهي حقبة من أسوأ الحقبات والمراحل التاريخية التي مرت بها أمتنا في تاريخها الحديث، لا نريد أن نتذكرها ولا نريد أن تتذكرها أجيالنا، فقد طفحت بنا هذه المرحلة القاتمة من مستقبلنا الآمن المستقر المتفائل بغد واعد طموح، كنا نتأمل فيه إنجاز معظم قضايانا التنموية والاقتصادية التي تحقق لنا ولأجيالنا الطالعة المستقبل المشرق الجميل، وتأخذ بآمالهم وتطلعاتهم الطموحة، نحو الحياة الحضارية الرغيدة بزهائها ورخائها، وتخلصهم من براثن الجهل والتخلف، وتزيل عنهم كوابيس العقد وكل الأمراض التي تنخر بمجتمعاتنا في قضايانا السياسية والاستعمارية والاجتماعية والفكرية، أقول لقد طفحت ودفعت بنا هذه الحقبة المريرة من تاريخنا إلى هوة سحيقة وعميقة لا أول لها ولا آخر، لترجعنا وتعيدنا إلى عهود وأزمان وقرون سحيقة أكل عليها الدهر وشرب، قرون الجهل والتخلف والعصبيات والتوترات والصراعات والحروب القبلية والطائفية والعرقية المقيتة، فتارة باسم اللافتات والشعارات الثورية والقومية والعروبية المزعومة، وتارة أخرى باسم اللافتات والشعارات الإسلامية المفتراة على قيم تراثنا وتاريخنا الإسلامي المجيد..!!

لقد ضاعت كل أحلامنا وأهدافنا وكل أمانينا النبيلة التي كوناها وعشناها طيلة الخمسون السنة الماضية هباء منثورا، بفعل هؤلاء الشياطين من الأوباش والحمقى الذين ظهروا علينا، باسم تلك الشعارات واللافتات المزيفة المشبوهة والمشوهة لضمير وقلب وآمال الأمة، والتي لم يكن بينها للأسف هدف واحد أستهدف عدوها أومن ينال منها، احتلالا وقتلا وتذميرا وتشريدا، فكل وجميع هذه الإستهدافات قد طالت ووجهت وسددت طعنات خناجرها إلى قلوب وضمائر هذه الأمة، نحرا وقتلا وسفك دماء في كل مكان امتلأت بها شوارعنا ومياديننا، وبل حتى المقدسات من المساجد وأماكن العبادة التي لم تسلم من شرورها..!!

كنا صغارا وقد تعلمنا بأن قضيتنا ووجهتنا الأولى هي فلسطين، فعلمونا وأعطونا بداية دروسا في معنى الجهاد السلمي، وبأن ندفع بتبرعاتنا المتواضعة إلى صندوق الريع الفلسطيني، فأقبلنا عليه محبين وراضين بشغف ولهفة يحذونا الأمل بمستقبل قضيتنا متوسمين نبل هذا الهدف.

واليوم وقد كبرنا وبلغنا من العمر عتيا صحونا على هذه النكبات والصدمات الأليمة، فوجدنا أن أحلامنا قد ضاعت وأن قضيتنا قد صودرت، فلم يعد لنا قضية ولم يدر بخلدنا يوما بأن تذوب وتتبخر أحلامنا نحو هدفنا الأسمى، لنتجه بقضيتنا إلى منحى آخر دمر كل ما ادخرناه لمستقبل أحلامنا وطموحاتنا وتطلعات أجيالنا، لتنقلب على أثرها حياتنا وأوضاعنا رأسا على عقب، لتعم الفوضى في بلداننا ويغدو الأخ والشقيق عدو لأخيه وشقيقه، وتصبح وجهة ومرمى أهدافنا هي إستهدافات الآمنين والأبرياء من أبناء مواطنينا وأوطان عروبتنا، الذين باتوا اليوم من المنكوبين بهذه المأساة المروعة التي جلبها لنا عهر وخريف ربيع ذلك العار العربي، بما حمله لنا من آفة وعقد وأمراض تلك الدعاوي والافتراءات الخاوية، التي انضمت لها تلك العصابات الإرهابية بعقدها ودعاويها الفاجرة، حتى أصبحنا جميعا ضحية لها ندفع أثمانها الباهظة جزافا وبما لا ناقة لنا فيه ولا جمل..!!

أن ما يجري ويحدث الآن في بلدان ثورات هذا الخريف العربي المزعوم افتراء، من أحداث وكوارث مأساوية وصراعات دموية مدمرة وقاتلة، طالت البشر والشجر والحجر، بعد أن بدلتها وغيرتها هذه الثورات المزيفة أنظمتها بزعامات ثورية مزعومة أعادتها ويا للسخرية للوراء عشرات السنين، ولم تحقق لها غير الصراعات والقلاقل المستمرة، حتى دمرت بنيتها التحتية ومنجزاتها الحضارية، وحتى أصبح ما تبقى من أهلها على يعيشون على حافة الهاوية يحملون أرواحهم على كفوفهم، ويتجرعون مرارة الخوف والجوع والحرمان والتشريد والبؤس، ومن ثم ما أصابنا نحن منها في بلداننا الآمنة من انعكاسات وأعمال إرهابية صارخة، مست بدمويتها القاتلة كثير من الضحايا الأبرياء من الشهداء، وهو ما يجعلنا اليوم نترحم على تلك الأيام الخوالي، لبعض من تلك الزعامات الزائلة التي كانت تعتلى سدة حكمها، رغم كل ما قيل ويقال عنها من ظلامات..!!

وبعد فإننا لا ندري إلى أين تسير بنا نكبات هذا المسلسل الدامي، في ظل تنامي هذه الأحداث والكوارث الدموية نحو هذا الانفلات المتعاظم، الذى تعيشه أمتنا وأصبح يهدد سلامة أمننا الوطني واستقرار حياتنا العامة، خاصة في ظل تسجيل هذا الغياب الملفت لمعظم الهيئات الدولية والعربية، وفى مقدمتها الجامعة العربية وهيئاتها، بجانب منظمة التعاون الإسلامي وغيرها من المنظمات الحقوقية في العالم العربي والإسلامي، لمواجهة هذه التحديات المؤدلجة التي تزرع بذور الفتن وتنشر الصراعات وتؤجج المشاعر والنزعات الطائفية والعرقية، في وقت ضاعت فيه بوصلة أهدافنا الأساسية وقضايانا الحقيقية..!!

وقى الله وطننا الغالي ومواطنينا الأعزاء وجنبنا كل مكروه.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»