آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

السنة والشيعة.. في حوار متلفز على حلقتين وقراءتي المتواضعة لهما..!

أحمد علي الشمر *

بعد متابعتي لحلقتي هذا الحوار، الذى أرفق رابطهما أذناه للقارئ العزيز، رأيت أن لا يمر هذا الحوار دون إبداء رأيي وملاحظاتي عليه، فكان أن خرجت بهذه الانطباعات التي أسهبت في تفصيلها إلى حدٍ ما، عبر هذه القراءة المتواضعة...

فلاشك بأن تطرق البرنامج لهذا الموضوع الحساس، فيما يتعلق بما يسمى بالخلاف السني الشيعي، له حساسيته المؤثرة ببعده الديني والطائفي، وتحديدا في كونه قد يثير بعض النزعات والنعرات الطائفية، من بعض المتعصبين في جانبي الفريقين، وباعتبار أن موضوعه يناقش قضية هامة من قضايا المسلمين الحساسة، وهي قضية ما يسمى بالخلاف بين الشيعة والسنة، وإن كان حقيقة هذا الخلاف غير موجود أصلا وواقعا.. ولكنه خطأ شائع كما هو معلوم في التسمية المشاعة، وحقيقته هو خلاف في الفروع بين الشيعة والسنة، وليس في الأصول.. فالمعلوم أن كلا من المذهب السني والمذهب الشيعي يدينان بمعتقد واحد.. هو الدين الإسلامي.. وجميع أركان الإسلام تجمعهما، فربهم واحد وقرآنهم واحد ونبيهم واحد، كذلك فإن جميع الثوابت الإسلامية من حج وصوم وصلاة وغيرها من الثوابت المعروفة، كالنبوة والعدل والمعاد والجهاد، جميعها هي أصول وثوابت إسلامية يجتمعان عليها، ومن ينكرها لديهما يعتبر كافر عندهما..

ولذا فإن ما يثار حول حملات التضليل ومزاعم الأكاذيب والافتراءات التي يطبل ويزمر لها مناوئو الشيعة خاصة، حول بعض القضايا التي يراد منها تشويه مذهب أهل البيت ، بطرق متعمدة بعضها سياسي وآخر طائفي، بجانب تلك الادعاءات الساخرة والمضحكة والسادرة، والتي اكتسبها البعض من تلك الثقافة البائسة، التي تردد وتروج واخذ يرددها هؤلاء كالبهائم والببغاوات، كما رددها ذلكم العوام والجهلة، ممن عرضت آرائهم في البرنامج.. أقول أن ما يثار من هذه الأكاذيب والافتراءات والدعاوي، التي تثير قبل كل شيء الشفقة لأصحابها، ماهي إلا طنطنات وجعجعات فارغة يرددها هؤلاء المساكين بما لا يسمن ولا يغني من جوع غير إثارة المشاكل..!!

وللأسف الشديد انبرى الطائفيون الذين يطبلون ويزمرون في الضرب على هذا الوتر، على قنوات التواصل والمواقع المعروفة، وكذلك بعض الإعلاميون المتعصبون والطائفيون فى بعض وسائل الإعلام المفلسة، التي انساقت تحت تأثير

مسوغات التشويق والإثارة، للأسف قد انبرى هؤلاء الى الانجرار وراء هذه... الموضوعات التافهة، والتي أصبحت مثار سخط وسخرية واشمئزاز، من كل المثقفين والعقلاء في العالم العربي والإسلامي، تندرا واستياء لسبب إثارة هذه القضايا المكررة عبر وسائط ووسائل الإعلام، وقد لا أكون مبالغا، بأن أذكر أن هذه القضايا قد أصبحت ايضا مثارا للفرجة والتسلية والضحك والسخرية، لبعض وسائل الإعلام الغربية، تشفيا وشماتة أحيانا، بما وصل إليه حال المسلمين في صراعهم وتراشقهم وتسفيههم وازدرائهم لبعضهم البعض..!!

ما أود الإشارة إليه حول البرنامج والضيوف الذين استضافهم، خاصة في حلقة الثانية تحديدا والمعنونة.. ب «السنة والشيعة.. خلاف سياسي بامتياز» وما تضمنته من طروحات في موضوع تلك الخلافات المزعومة..!!

فبعد مشاهدتي لهذه الحلقة والحلقة التي سبقتها، خرجت بهذا الانطباع الذى أضمنه هذه القراءة المتواضعة..

1 - وأبدأها بالتقدم بالشكر الجزيل للأستاذ أدريس هاني، الباحث المغربي وأحد ضيوف البرنامج والمتحول لمذهب أهل البيت ، كما عرفته بذلك مقدمة البرنامج، أشكره على طرحه الموضوعي وأسلوبه الراقي والجميل، فى تفنيد بعض ما قيل أنها قضايا خلافية بين الشيعة والسنة، وكذلك فيما ذهب إليه بعض الجمهور، ممن استعرضهم البرنامج في حلقته الأولى من الذين أثبتت أراءهم حول التعريف بالشيعة، والذى بين الباحث بأنهم شريحة من الجهلة والعوام، وهو مما يدلل فعلا على ثقافتهم البائسة ومعلوماتهم الطائفية التي تلقوها، ممن يسوق لهم تلك الثقافة، وهي ثقافة تقوم على التشويه ومبنية على الجهل وانعدام حتى أدنى مقومات المعلومة المتواضعة عن المذاهب الإسلامية..!!

كما وأثني على الباحث أدريس تفنيده كذلك للكثير من اللبس والخلط والتدليس، الذى يشاع حول الشيعة، وكذلك مسألة الزعم بتحوله لمذهب أهل البيت، وتصويره وكأنه انتقال وتحول لمعتقد آخر، فكانت حقيقة تلك الإجابة إجابة ذكية وراقية، أجلت الكثير من الحقائق والمفاهيم المغلوطة والمشاعة، حول هذه المسألة.. فلا يعني التعمق في بحثه ودراسته للعلوم التي تعمق الحب والولاء لأهل البيت، الذى توصل إليه هو أو حتى غيره من الباحثين في هذا الشأن، معناه هو انتقال لمذهب آخر، بل ان ذلك هو أمر طبيعي، إذ ليس بوسع أي إنسان مسلم ينتمي لدائرة وحضيرة الإسلام، إلا وأن يكون حبه وتوجهه للولاء لأهل البيت ، وهو لاشك ولاريب أمر طبيعي، وبل يعد من صميم المعتقدات الإسلامية الصرفة..

2 - أما الباحث العراقي الشيخ حسين المؤيد من ضيوف أيضا، الذي يزعم بأنه انتقل من مذهب التشيع لمذهب أهل السنة، لأسباب ومسوغات، أرجعها بوجود ما أسماها ب / إشكالية في مذهب التشيع، وهو مسوغ لم يستطع أن يبينه أو يوضحه بشكل دقيق وواضح، لا منطقا ولا معتقدا ولا تشريعا، رغم أنه أوغل في تأويله وشرق وغرب في تفاصيل فارغة لم توصلنا لنتيجة مفيدة، إلا إلى المزيد من الضبابية والغموض في تفصيله، وباختصار فإن معظم تأويلات الشيخ المؤيد، جاءت جميعها مضطربة وانتابتها التضاربات والتناقضات الواضحة، ولم ترقى في مضمونها إلى المستوى العلمي والفكري الذى يعتد به.

فمن استدلالاته المبهمة التي ذكرها، قال ان مذهب التشيع ينقسم إلى ثلاثة أقسام.. هي بحسب تعبيره.. تشيع مذهبي روحي.. وتشيع مذهبي سياسي.. ومن ثم التشيع المذهبي، الذى هو محل الإشكال كما يقول والذى لم يستطع أن يبين لنا ما هو هذا الإشكال الذى يعنيه..!!

وحقيقة حينما نتأمل في فحوى هذا الكلام، لا ندري ولا نعرف من أين جاء المذكور بهذه المصطلحات التي انفرد بها وحده في تفسيره، لكي يبرر لنا تخليه عن مذهب التشيع..!!

وفى رأيي الخاص، لو أنه بين كما فعل الباحث المغربي، ف سبب تحوله، بأنه مجرد تعمق في البحث ولا يعتبره خروجا أو انتقالا من مذهبه الشيعي الذى كان عليه، الى المذهب السني، لكان ذلك أمرا عاديا في تقديري افضل له لتبرير تحوله، باعتبار ان جميع المذاهب الإسلامية هي معتقد واحد، سواء كان ذلك شيعيا او سنيا، فمن حق أي مسلم بموجب هذه الرؤيا وكذا أبحاثه ودراساته وقناعاته العلمية التي يتوصل إليها، من حقه أن يعتنق المذهب الذي يختاره دون تعصب.. غير ان الشيخ المؤيد لم ينحى هذا المنحى، بل كان له رأيا آخر مشوشا كما سمعنا في الحلقة..!!

3 - واما المصري المدعو وليد اسماعيل.. وهو ضيف أيضا في البرنامج، فلا يعتد برأيه مطلقا، وهو غير موضوعي في طرحه ونهجه، وهو شخص تكفيري ومتطرف، وقد عرف بأكاذيبه وافتراءاته ودسائسه وتدليسه، على المراجع الشيعية، خاصة باجتزاء نصوص مبتورة وغير صحيحة ينسبها لهم خاصة حول سب الصحابة، وهذا معروف عنه من خلال أكثر البرامج التي يظهر عليها، ودأبه المستمر على مواصلة نهجه الطائفي التكفيري المتطرف، في تهجمه وازدرائه الدائم، لمذهب أهل البيت والمنتمين إليه، وقد رأيناه وهو يكرر نفس تلك الأسطوانة البالية السخيفة عبر هذا البرنامج..!!

4 - وأما حول طروحات واستشهادات الشيخ الجليل جعفر فضل الله، من ضيوف البرنامج كذلك، فإن شهادتي له مجروحة، فقد كفى ووفى بتلك الاستدلالات والبيانات الشافية الكافية الواضحة والسلسة، التي أفحمت مخالفيه في البرنامج، والتي فند فيها الكثير من تلك التهم والأراجيف والمزاعم والمغالطات، التي لا توجد إلا في أذهان ومخيلة تلك العقول الخاوية، من الجهلة والعوام ومثيري الفتن والنعرات الطائفية، وممن ينشرون بذور الفرقة والانقسام في عالمنا العربي والإسلامي..!!

وأنتهز هذه الفرصة السانحة، لأتقدم لهذا الشيخ الجليل بوافر الشكر والتقدير والامتنان، نيابة عني وعن الآلاف من الموالين لأهل البيت ، تقديرا واحتراما وإجلالا لمواقفه وطرحه العلمي والإسلامي الرصين والقيم والمشرف، لكل إنسان مسلم في هذا العالم، من خلال مضمون استدلالاته القيمة في حلقة هذا البرنامج..

كما لا يسعني خلال هذه العجالة، إلا أن أتقدم بالدعاء والرحمة والمغفرة، لوالده العالم الجليل الشيخ محمد حسين فضل الله، تغمده الله برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته.

5 - وأما فيما يخص الباحث العراقي جواد بشارة، الذى كان بمثابة استشاري خاص لطروحات المشاركين في البرنامج، فإنني أزف له عظيم تحياتي وشكري العميقين، على عمق دراساته وأبحاثه القيمة التي بينها في توضيح وإجلاء كثير من حقائق التراث، المتعلق بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم، وذلك من خلال إجاباته السديدة، وبالتالي تفنيده أيضا لبعض المزاعم والخرافات والأكاذيب التي يلجئ إليها البعض كذبا وزيفا ورياء، من أجل تشويه مذهب التشيع، ومستندا في مجمل طرحه، إلى المصادر والأسانيد الصحيحة وروايات التراث والتاريخ الإسلامي، لمراجع جميع المسلمين على مختلف مذاهبهم، فالشكر له مكررا على هذه الإضاءات المستفيضة في تفنيد الحقائق وتوضيحها من مصادرها التاريخية.

6 - وأخيرا لا يسعني في ختام هذه القراءة، إلا أن أتقدم بباقات من الورود والزهور والرياحين، مقرونة بالتهنئة المباركة.. إلى الأستاذة مقدمة برنامج الفلك الممنوع، خاصة لهاتين الحلقتين، على نجاحها الباهر وحياديتها المثالية، في إدارة وتقديم هذا البرنامج، مشيدا ومثنيا في الوقت نفسه، على قدرتها وهيمنها وصرامتها الحاسمة الحازمة، في سيطرتها وتحديد طروحات وموضوعات البرنامج، بالشكل والنسق الانضباطي الذى سار عليه بقيادتها، وخاصة بعدم إعطاء الفرصة للتطويل والسماح بإقحام وإدخال موضوعات زائدة لا لزوم لها، وهو الأمر الذى ساهم في إنجاح البرنامج وأثار إعجاب جميع المشاهدين، في اعتقادي باختلاف توجهاتهم الفكرية والثقافية، على قيادتها الناجحة للبرنامج.

وهذا لاشك راجع لخلفيتها العلمية والفكرية، وبما تتمتع به من ثقافة وسعة اطلاع، وأفق واسع في طبيعة تفهمها للقضايا الإسلامية، وهو الأمر الذى ضمن لها هذا النجاح في إدارة هذا الحوار، بصورة سلسة وميسرة، حققت لها هذا النجاح في تقديم هاتين الحلقتين اللتين أدارتهما، حول ما سمي بالخلاف الشيعي السني بصورة سلسة، وخالية من النزاعات والتعصبات كما تعودنا مشاهدتها في البرامج الأخرى.. فلها وافر الشكر والثناء مكررا على هذا النجاح الباهر وهذه الإدارة الممتازة، ومزيدا من النجاح والتوفيق لها في برامجها المقبلة.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»