آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 11:21 ص

ويبقى الفكر

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ «191» - صدق الله العلي العظيم - آل عمران.

السيد محمد باقر الصدر «رض» مفكر عالمي ويشهد له القريب والغريب والعدو والصديق ونُصِب له تمثالا في روسيا كأحد أبرز مفكري العالم. قد لا يعلم الناس المعاناة والظلم والحيف الذي تعرض له هذا العملاق، ليس من النظام البعثي فقط، ولكن قد يكون من بعض المنسوبين للمؤسسات الدينية نفسها الذين حاولوا أن يُقْصُوه وتمنع دروسه لدرجة - حسبما سمعنا - اتهام أعراض من يحضر دروسه التي عزف عنها العراقيون ولكنها غصّت بالطلاب الآخرين من جميع أنحاء العالم حتى تم تهريب وتسريب محاضراته للطلبة العراقيين المحرومين من فكره المُميز. المرجع الأعلى وأستاذ المراجع المتربع على عرش الفقاهة السيد أبو القاسم الخوئي «قده» أولى الصدر رعاية خاصة حتى نُسِب إليه: ”لقد فاق التلميذ أستاذه في الفلسفة“. بتأييد الله ورعاية السيد الخوئي لهذا النابغة سطع نجم العراق والحوزة الشيعية سماحة السيد محمد باقر الصدر «رض» والذي يُعدُّ من أفضل المراجع الذين مرّوا على الحوزة منذ نشأتها الأولى، بل ومن أبرز المفكرين الذين مرّوا على البشرية. السيد الصدر «رض» قامة وطاقة قد لا يعطي حقها الجاهلون أو الموتورون، ولكن عندما تقع أفكاره وكتبه على الواعين يعرفون قيمة ما فيها من كنوز ويحاولون استخراج النفائس والأطايب. لقد وقع بين يَدَيّ كِتَابَه ”الأسس المنطقية للاستقراء“ نزولا عند نصيحة بعض أهل الفضل المخلصين فتعجبت من غزارة المعاني وعمق المفاهيم وما لفت انتباهي أنَّ سماحته درّس نفسه علم الاحتمالات والذي يعتبر حديثا في علم الرياضيات والذي لا يدرسه إلا المتخصصون في المراحل المتقدمة من دراساتهم! تعجبت ليس لأنني لا أعرف هذا المادة، ولكن من جهة شخص متخصص في هذا المجال؛ ولا يميز بين الماسة والفحمة إلا المُعَدِّن الماهر. السيد الصدر ظاهرة نادرة وفخر لكل موالٍ على وجه الأرض ويجب إظهاره وإبرازه كعَلَمٍ من أعلام الأمة والنوابغ القلّة الذين اكتسحوا الساحة وبكل جدارة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح، هل كل من سُمّي بمرجع هو في واقع الأمر كذلك؟ المرجعية مثل الإمامة لا يمكن قبولها إلا بالتعيين والتنصيب ومن قِبَلِ أهل الاختصاص ولا يحق لأي كان أنْ يرشح نفسه اعتقادا منه أنه مؤهل لهذا المنصب؛ وكم رأينا من العطّارين ممن يعتقدون أنهم أفضل من الصيادلة ومن المرّاخين الذين يعتبرون أنفسهم أفضل من أطباء العظام! الطب كمهنة أقل حرجا من المرجعية وهي بحاجة لجامعة وشهادة دكاترتها للمتخرج بأنه مؤهل لممارسة مهنة الطب. على أرض الواقع، نرى المقولة المشهورة تتكرر ولكن بتغيير بعض المفردات: ”كل مراجعنا عدول؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم“، حتى تم صفّ مروان مع سلمان، بل وأصبحت الدنيا فوضى لدرجة أن شخص مثل الصرخي يدعي السيادة ويرشح نفسه كمرجع أعلى، وذلك بسبب بعض الثغرات ومنها إمكانية إعلان الأهلية من قبل الفرد نفسه وليس من خلال المؤسسة الدينية المانحة لمثل هذه المناصب، بل وظهرت اليوم في الساحة قضية التوريث، وهذه ظاهرة خطيرة جدا وبعيدة عن الجادة والمؤسسة والأهلّية.

تزامن العديد من الأنبياء مع بعضهم، وعلى سبيل المثال زكريا وعيسى ويحيى، ولم نرَ أو نسمع أن أحد الأنبياء طعن في غيره، بل كل منهم يكمل الآخر، وهذا أكبر دليل على أنهم آتون من مصدر واحد وهو العلي الأعلى، ولكن رأينا وسمعنا تناحر وتطاحن بين مراجع ضخام في الحجم والرتبة، ونتعفف عن ذكر الأسماء، وهذه ظاهرة خطيرة وتجعل من العاقل الوقوف للتدبر لأن مثل هذه الأمور تسقط العدالة مباشرة ويشكك المرء في أنّ هناك خلل ما في مكان ما، ومن المضحك المبكي أنّ هذا الذي يُشَنِّع على نقد الخروقات باسم الدين والمرجعية يجعل نفسه في خندق ويسمح لها بالتطاول على المراجع في الطرف الآخر وسبهم وتسقيطهم لدرجة أن شخصية مثل الشهيد الصدر لم تسلم من السهام السامة!

قال أحدهم: ”مو قاصر إلا تحاكمون الإمام“. يا أخي لا يوجد أحد فوق القانون، سواء كان نبيا أو إماما. أضخم إمام عرفه التاريخ علي بن أبي طالب الذي وقف في المحكمة أمام يهودي سرق درعه ورفض الإمام أن يكنيه القاضي وانتهت النتيجة لصالح اليهودي فقبِل الإمام الحكم وانصرف دون أيّ جلبة. واقعا، نحن لا نعرف ماذا يعني التمسك بالثقلين؟! هل لِيَتُمّ وضعهم على الرفوف ويتم مسح كل خطيئة بهم؟! والقضية واضحة ومفهومة للعيان وأساليب السفسطة لا تخفى على البصير. قالوا كل الصحابة عدول لكي تمشي أمور معاوية ومروان وأقرانهم ولكن لا يهمهم الأمر أن تتهجم على علي أو سلمان «رض» أو تقتل مالك بن نويرة غيلة وتمثل به وتدخل بزوجته في نفس الليلة، ويوجدون كل التبريرات في سبيل ذلك، بل وصل الأمر أن يُنتقد الرسول ﷺ ويُشكك في عصمته لسبيل ترجيح بعض الصحابة عليه، وهذا ما رأيناه من البعض على فضائيات الفتنة إذ انتقدوا جُلّ مراجع الشيعة بما فيهم السيد الصدر «رض» حتى وصل الأمر لشيخ الطائفة الطوسي «قده»، والعجيب أن هؤلاء الذي يشنعون على المطالبين باستنهاض العقول لم ينبسوا ببنت شفه؟!

والأدهى من ذلك الأساليب الملتوية في النقل والتدليس في وضح النهار إذ يعمد البعض منهم لذكر ﴿ويل للمصلين ويتغاضى عن ”الذين هم عن صلاتهم ساهون“. هل الحق بحاجة لمثل هذا؟ هل يقوم الحق على التدليس والكذب والتزييف والتطاول على الآخرين وبهتهم لمجرد أنهم يطالبون بالحقيقة ويدافعون عن الحق؟ هل لأنهم يطالبون الأمة باستخدام عقولهم ورفض التسليم المطلق لكل من هب ودب لأن الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره وأنه سيحاسب يوم القيامة سواء استخدم عقله أو ألغاه؟ وليت المطاف ينتهي بالتدليس ولكن بالسب والشتيمة وكأن الحق بحاجة لهذه التصرفات الدونية التي نهى عنها الثقلان؛ ”ولا تسبوا“، ”أكره لكم أن تكونوا سبابين“.

طالب الحق لا يحيد عنه مهما بلغت الأمور من الحرج. هل تخلى أهل البيت يوما عن مبادئهم؟ هل كانوا سبابين أو مدلسين أو مزيفين؟ هل اعتدوا على أحد؟ هل ظلموا أحدا؟ بل الإمام علي كان يناضل لأجل حقوق عبد الرحمن بن ملجم وهو يتجرع السم الذي نفثه إلى جسده، وهل هناك نفس أكبر من علي ؟ من يرد أن يستخدم أساليب أعداء أهل البيت فرجاء، وكل الرجاء، لا ينسب نفسه إليهم لأنه يشوه سمعتهم: ”كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم“، كما أن الله والحق وأهل البيت غنيون عن هؤلاء كما هم غنيون عن داعش وجميع المتطرفين على وجه الأرض.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.