آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

مرثية اليوم الحزين في وفاة الوالد.. يرحمه الله

أحمد علي الشمر *

بقلوب خاشعة مؤمنة بقضاء الله وقدره وقضائه المحتوم، كان موعدنا يوم الأربعاء الماضي، مع موعد الخبر الصاعق، الذى فطر قلوبنا ومزق أحشائنا بوقعه الصادم والمؤثر والمؤلم، برحيل عميد الأسرة الوالد الغالي، بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، ليلقى ربه صابرا محتسبا عند الله، بعد عدة أشهر من غيبوبته التامة، وهي رحلة شبه موت قاسية غيبته عن أهله وأحبابه، رغم أنه كان محسوب على قائمة ودائرة الاحياء، ولكنه كان برعاية الله وبمساعدة وسائل التجهيز الطبي، التي كانت ترصد نبضاته وأنفاسه الخافتة، وتوصل له ما تبقى وما يمكن من معطيات إكسير الحياة.

وهكذا استمرت معاناته المرضية، قبل وبعد نقله للمستشفى في صراع دائم مع مرضه الطويل الذى أطاح به، ليمتد لنحو السنتين، تجرع خلالهما مرارة المرض والضغط النفسي وقساوة الألم الجسدي، ليس فقط نتيجة لمعاناته من أعراض مرضه العضوي فحسب، وإنما زيادة على ذلك تكبده للآلام النفسية والجسدية، منذ أن لزم فراش المرض، ومن ثم دخوله في غيبوبته الطويلة على مدى نحو الأربعة اشهر الماضية، تجرع خلالها كل هذا العذاب، وهو مما ضاعف معاناته وكذلك معاناتنا معه حزنا عليه، خصوصا بعدم قدرتنا على فعل شيء تجاهه يمكننا من إنقاذه، من وضعه الصحي أكثر من التدخل الطبي، ممثلا بتلك الاجهزة التي كانت تساعده على البقاء.

لكن مشيئة الله تشاء في أن تنتهي مأساته وتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها، ويغيبه الموت ويفارق الحياة بتلك الحال، وهو في صمته وسكونه المهيب، وبهذه الصورة المأساوية الحزينة ويقضي في موعده وأجله المحتوم..

لقد كان موعدنا مع رحيله موعدا صادما مؤثرا وصاعقا لنا جميعا، انفطرت فيه قلوبنا حسرة وألما وحزنا على حاله، فنحن لم ننسى بعد مأساة عذاب غيبوبته التي طالت، حتى لقى ربه وهو بتلك الحالة الحرجة، التي نبتهل للباري تعالى، بأن تكون حصنا ومنجاة له في موازين أعماله وحسناته.

كيف لا نحزن ونحن نفارق أعز الأحبة وهو الأب والسند ورب الأسرة وحاميها.. كيف لنا أن ننساه ونحن نستذكر أيامنا الجميلة معه.. أيام نشاطه وحيوته، فرغم كبر سنه في السنوات الأخيرة، فقد كان يحنو علينا ويتفقدنا ويسأل عنا، رغم تكلفه ومرضه، فكان دؤوبا في حركته ونشاطه وحيويته، وهوما كان ينعكس عليه فرحا ومرحا وبشاشة بين أسرته وأصدقائه ومحبيه، الذين كانوا يحفونه ويأنسون به، فأحبه الجميع بما تميز به من سمات مرحه، خاصة بدعابته المعروفة بين اسرته وأصدقائه، وهي سمة له لازمته كعلامة مميزة لشخصيته البسيطة، فكانت هذه السمات في شخصيته، هي الطابع الجميل الذى عكس طبيعة سلوكه وهدوئه ودماثة خلقه، والذى غلب عليه وتميز به طيلة حياته ومنذ شبابه، وفى مجمل سلوكه وممارساته العامة والخاصة على السواء، وهذه هي بالفعل الجوانب المميزة فعلا في سمات شخصيته المرحة يرحمه الله، والمعروفة عنه منذ مراحل شبابه، ثم قدرته على امتصاص الآلام واحتواء الصدمات التي كانت تواجهه، خاصة بعد أن ألمت به آلام المرض في السنوات الأخيرة، ومن ثم العزلة القهرية التي أجبرته على إلزام فراش المرض، وبما في ذلك امتناعه القهري عن الاكل وحتى الحركة، الامر الذي أدى به إلى مضاعفة أعراض مرضه وانهياره التام الذى أطاح به ومنعه من مجمل ممارسة حياته الطبيعية، في المشي والحركة والتنقل، وبما في ذلك السفر الذي كان من أهم وأبرز اهتماماته منذ شبابه وحتى أواخر أيام ما قبل مرضه، وهو مما ضاعف عليه آلامه وضغوطه النفسية والمرضية، خاصة حينما ندرك بأن هذا الوضع الطارئ عليه، رغم عمره المديد، هو بالمجمل عكس ممارساته التي عرف وتميز بها في حياته، حتى أواخر أيام ما قبل أن يشل حركته المرض، فقد كان دؤوبا نشطا في حركته وتنقله وحتى في سفره، فلم يتخلى يوما عن سفراته، للحج أو العمرة أو الزيارة، وكذلك اهتمامه بلقاء أصحابه، ممن هم في مرحلته العمرية، حيث يجتمع معهم ويشاطرهم أفراحهم وأتراحهم، كما يستذكر مع من تبقى منهم على قيد الحياة، أيامهم الجميلة، في عملهم بشركة «ارامكو» وباعتباره كبير النجارين ممن فاقت شهرتهم أرجاء المنطقة، وممن أسهموا بعرقهم وجهدهم، في بناء وإعمار أحياء أرامكو المعروفة بمدينة الظهران، حتى فاقت شهرته المنطقة واحبه الجميع، وبما في ذلك رؤسائه من «الأمريكان» الذين كانوا يزورونه في منزلنا كما اتذكر أيام طفولتي، كما عرفه كذلك معظم أهل المنطقة، باعتباره كذلك أول من استورد للمنطقة بعض سيارات النقل الخشبية القديمة المعروفة آنذاك، لنقل عمال وموظفي ارامكو..

نستذكر اليوم تاريخه المجيد، ونحن نرثيه ونودعه اليوم الوداع الأخير، إن شاء الله إلى جنات الخلد، مع الصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقا..

ومع إيماننا العميق بقضاء الله وقدره ومشيئته، فقد قدر الله وما شاء فعل، وإن

الأمر كله لله من قبل ومن بعد..

ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. وانا لله وانا إليه راجعون.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»