آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 7:54 ص

أخلاق.. بشروط!

محمد معتوق الحسين *

امتلأ فرع شركة الاتصالات بالعملاء. كلّ يمسك بيده رقم الانتظار، ويراقب شاشة الأرقام بتمعّن، علّها تعجّل ببشارة الخلاص. قريباً من باب القاعة، لفت انتباهي رجل وامرأة ينتظران وقوفاً. الرجل مواطن في منتصف العمر، مفتول العضلات أنيق المظهر. أما المرأة فأجنبية ذات جمال لافت، ما دعى صاحبنا إلى مسامرتها ومبادرتها بالحديث.

سمعْته يقترح عليها ”لمَ لا تذهبين للموظف. علّه «يمشّيك» كونك امرأة“. ابتَسَمت الجميلة بصمت أمام هذه الشهامة الذكورية الشرقية، وفضّلت انتظار وقتها كالآخرين.

بعد قليل، حصل أمر عجيب. دخلت القاعة امرأة أبعد ما تكون عن الجاذبية والجمال «والذوق»، وشقّت صفوف الانتظار متوجهة إلى الموظف لتطلب منه أن يساعدها فوراً. فما كان من صاحبنا «الشهم» إلا أن صرخ بصوت عالٍ ”بأي حق تقدمون الخدمة لمن لا يحترم الدور، هذا سُخف غير مقبول، نحن هنا ننتظر منذ ساعة!!“

حلفت عليك!

نظر الجميع في ذهول! أما أنا، فضحكْت بصمت، وتذكرت تعليقاً لزميلٍ بريطاني قال متهكماً ”يعجبني كيف يمسك أحدكم الباب لي، ويحلف أن أدخل قبله. وإذا رآني أشتري سندويتشاً، أَقسَم أن يدفع هو الحساب. ولكن ما لا أفهمه هو حين أصادفه على الطريق السريع أراه يسابقني، ثم يحاول جاهداً أن يأخذ دوري على حدود جسر البحرين! لماذا سلوككم يختلف خلف زجاج السيارة؟ لماذا معاييركم مزدوجة؟!“

تفضّل تعشى معنا

هنا تساءلت: هل النفاق الأخلاقي هو حالات محدودة، أم أنه وصل لمستوى «الظاهرة» في مجتمعنا؟ هل صارت الأخلاق والتعامل الراقي مشروطة بالحصول على مكاسب شخصية وتسجيل نقاط عند الآخرين؟ أم أنه نابع من أخلاق أصيلة صادقة؟

المشكلة أن الكلمة الطيبة اختلطت بمياه الصدق ومستنقع المجاملة. مثلاً، قد تصادف في الشارع من يقول لك ”تفضل تعشى معنا“. البعض يقولها بصدق وحب. والبعض يقولها مجاملة، حيث لو بادرته بالرد ”حسناً هيّا.. سأتعشى معكم“ اتسعت عيناه غير مصدّق أنك ”ما تنعطى وجه“!

أيضاً كلمة ”كيف الحال؟“ يقولها البعض باهتمام صادق، والبعض الآخر يقولها لمجرد أنها بروتوكل ترحيبي متوقع، بحيث لو فضفضت عن همومك قليلاً، ترى علامات عدم الاهتمام بادية على محياه.

الكلمة الطيبة هي بلا شك أمر حسن، أما المبالغة في المجاملات، بحيث يصبح طبعنا أن نقول ما لا نعنيه، فإن ذلك يهدد ثقتنا بالصدق فيما بيننا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.

فرع الاتصالات

جاء دوري، فحمدت الله أنني لم ألتقِ برئيسي صدفة هناك، فأضطر أن أقول له ”حلفت عليك تاخذ رقمي“!