آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 10:37 ص

منطق بولتزمان لا يلغي الحاجة للخالق

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ «22» لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ «23» أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ «24» - صدق الله العلي العظيم - الأنبياء.

لقد تناولنا في مقال سابق ”الفوضى تدعو للإيمان“؛ المصدر الأول، كيف أن النظام الكوني المعرض للفوضى أكثر من العكس يدعم وجود خالق ومدبر لهذا الكون الفوضوي والذي تزيد فوضويته مع الوقت حسب القانون الديناميكي الثاني. لكن العالم النمساوي لودڤيك بولتزمان له رؤية مختلفة في الموضوع ناقشها العديد من العلماء، ومنهم براين گرين في كتابه النسيج الكوني - المصدر الرابع - في الفصل السادس بشكل مفصل، وأيضا شان كارول في المصدر الثالث؛ كلاهما يناقش ما طرحه بولتزمان ويوجد فيه الخلل الذي وقع فيه.

نريد فقط أن نذكر القارئ الكريم بقانوني الديناميكا الحرارية، وهما:

1. الطاقة لا تفنى ولا تستحدث ولكنها تتغير من شكل إلى آخر.

2. الفوضى في أي نظام تزداد مع الوقت، أو على الأقل تبقى ثابتة في الأنظمة المثالية.

بولتزمان متخصص في الميكانيكا الإحصائية وله رؤية مغايرة بخصوص الفوضى في أي نظام، ومنها الكون، وهو احتمالية أن ينتقل ترتيب فوضوي إلى نظامي مع الوقت ولو لفترة قصيرة كما هو موضح في الرسم البياني، حيث حاول بعض علماء الكون استخدام فكرة بولتزمان للاستنتاج أن كوننا مرّ بمراحل مشابهة، أي الانتقال من حالة فوضى إلى نظام، مما أدى لوجود حياة، ولكن هذا القول ينسفه العالمان المذكوران؛ أي براين گرين وشان كارول، والتفاصيل موجودة في المصادر المذيلة.

سنكتفي هنا بطرح بعض الإشكالات التي ناقشها براين گرين في استخدام رؤية بولتزمان لتبرير وجود نظام من عشوائية في هذا الكون بعد 14 مليار سنة. يقول براين گرين إن الكون يعتمد كليا على الجاذبية وبشكل أساسي وأن الجاذبية أكبر مؤثر لزيادة الفوضى بدلا من تقليصها:“When gravity flexes its muscles to the limit، it becomes the most efficient generator of entropy in the known universe. ”ويعزو براين گرين النظام لوجود دقة متناهية مع بداية الانفجار العظيم وأن هذا أمر لا مفرّ منه إذا حاولنا شرح وجود نظام كوني، وبالأخص مخلوقات ذكية، وذلك من خلال مقاييس مادية وموضوعية بحتة بعيدا عن محاولة إيجاد تفسيرات لا يمكن لها أن تنسجم مع القوانين الكونية الثابتة، خصوصا القانون الثاني للديناميكا الحرارية:“This is the stunning connections we’ve been leading up to for the entire chapter. A splattering egg tells us something deep about the big bang. It tells us that the big bang gave rise to an extraordinary ordered nascent cosmos. ”وقد قال براين گرين بالنص إن المحاولات المضنية لتفسير وجود هذا النظام بسبب شذوذ كوني لا يمكن قبوله ولا يمكن ربطه بقوانين فيزيائية مدعومة بدوال رياضية وإنه مشابه للدفاع عن الرذيلة أو الخوض في مستنقعات تزيد فيها احتماليات التورط بدلا من التخلص من المشكلة المطروحة، ونقدم ما قاله براين گرين نصيا لمن يحب أن يتحرى الدقة ويتفادى الترجمة الخاطئة أو الميولات الشخصية التي أحملها تجاه هذا الموضوع:“Yet، when we went with the odds and imagined that everything popped into existence by a statistical fluke، we found ourselves in a quagmire: that route called into question the laws of physics themselves. And so we are inclined to buck the bookies and go with a low - entropy big bank as the explanation for the arrow of time. The puzzle then is to explain how the universe began in such an unlikely، highly ordered configurations. That is the question to which the arrow of time points. It all comes down to cosmology. ”

أنا اعتذر كثيرا لوضع قصاصات طويلة باللغة الإنگليزية، ولكن أجد نفسي مسؤولا وحريصا على ذكر الحقيقة كما هي وبنصوص مادية بحتة بعيدا عن التأويلات الفلسفية أو الخلفية الدينية. وسأحاول أن أشرح ما يريد أن يقوله گرين بأسلوب مبسط. لنفرض أن عندنا نابل يرشق هدفا قطره 10 سم على بعد 10 متر. لو اختلف النابل بنصف درجة تقريبا فإنه سيخطئ الهدف. لو ابتعد النابل لمسافة 100 متر فإن حظوظه ستقل وأن خطأ بمقدار 0.06 من الزاوية فإنه سيخطئ الهدف. كلما ابتعد النابل قلت حظوظه وزادت نسبة خطئه. طبعا، قد يزيد التعقيد لو أضفنا الرياح أو هدفا متحركا، ولكن التماسا للتبسيط، تجاهلنا هذه المتغيرات.

الآن لنعود للكون والأرض من جديد. يقدر عمر الكون ب 14 مليار سنة. عمر الأرض تقريبا 5 مليار سنة، أي أن نواة الأرض عُقِدَتْ في الرحم بعد 9 مليار سنة من ولادة الكون نفسه. علينا أن نفترض أن في الانفجار العظيم نابل يحاول أن يصيب الأرض وبدقة متناهية، وما علينا إلا حساب الزاوية المطلوبة لإصابة الهدف. حجم الكون حينها كان 9 مليار سنة ضوئية وعلينا تحويل الأرقام إلى أمتار لكي نحسب مسافة الأرض عن مركز الكون. في السنة الواحدة، يقطع الضوء مسافة 9، 460، 730، 472، 580، 800، 0 متر، وهذا يعطينا نتيجة تقريبا إلى مسافة 9 وبعدها 26 صفر على اليمين متر في خلال 9 مليار سنة. قطر الأرض يساوي تقريبا 6371 كم. رجوعا لحساب المثلثات، فإن الخطأ يجب ألا يتعدى 0، 00000000000000000005 درجة، هذا إذا افترضنا أن الأرض ثابتة ولا تتحرك وأنها ولدت بحجمها الحالي. ولكن لو رجعنا الأمور إلى حقائقها ووضعنا كل المتغيرات، وهذا أمر معقد جدا، فإن الزاوية بحاجة لأن تكون أدق بمليارات المرات من هذا الرقم الضئيل لحساب خطأ الزاوية المقبول لإصابة الهدف على الأرض.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.