آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

المجتمع الإسلامي وإدارة الاختلاف في البعـد المذهبي

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

الربيع العربي صدمة في توقيته وسعة مداره إلا ان المفاجأة الكبرى فيه مخرجاته المتمثلة في صعود الاحزاب الدينية لسدة الحكم. ان الاحتمالات الواردة لهذه الهزة غير المتوقعة تتراوح بين تصاعد الاصولية الدينية الحادة التي تتغذى على افتعال الاحتراب الطائفي او الانفتاح نحو السلم المدني وتصاعد فضاء الانفتاح الثقافي في الاختلاف بين المذاهب والطوائف الدينية المختلفة في المجتمع الاسلامي.

ان تأثير الانفتاح السياسي الواسع بعد الربيع العربي قد ينذر بشدة بالانحدار نحو الاحتراب وتصاعد حجم الصدام في فضاء تضعف فيه ادوات الضبط والتنظيم للاختلاف. قد يكون الامر امام مفترق طرق بين تصاعد الاختلاف في جو من الطائفية او الاختلاف في دائرة المذاهب العلمية والفكرية. ان المسار لا يحدّد تلقائيًا والاختيار سيبقى مغيبًا في ظل هذا التصاعد الملتهب في الفضاء الاسلامي. المسلمون اليوم مدعوون الى العودة للاختلاف في دائرة المذهب والذي يرجع الى الاصل الانساني للاختلاف الذي لا مفر منه.

فهو المآل الطبيعي للامة المفكرة المجتهدة الباحثة في نصوصها الدينية وتراثها العلمي. ان المذهب هو منهج الفهم للنص والادراك لمقاصده ومعطياته. وفي غاياته الانسانية ودوافعه الذاتية المتعالية هو البحث نحو السبيل للدفع بالانسان نحو الكمال وفهم الصراطات التي عليها تتلاقى الافهام ومن خلالها تجتمع في معرفة غاية السماء ومقاصد الشريعة. انه حوار للتكامل كما يقول المفكر حب الله «هو استدعاء طبيعي يقوم على طبيعة العلاقة الثابته بين الاطراف في الحياة الاسلامية وعلى طبيعة التعددية الموجودة في هذا المجتمع» «ان طبيعة المجتمع الاسلامي تستدعي على الدوام تفاعلًا ايجابيًا بين الاطراف في تأثيرها وتأثرها». والضمان لهذا الحوار الهادئ الدفع باتجاه فضاء القراءة المذهبية المتعالية من خلال تنظيم العلاقة بين المذاهب المختلفة من خلال تطوير وتنمية فقه العلاقات الاسلامية والذي يقصد به «الفقه الذي يشتغل على قضايا الوصل والفصل بين المذاهب الاسلامية ويتصل بتواصل المسلمين وتقاطعهم بتقاربهم وتباعدهم». والحاجة الماسة لهذا الشكل من التنظيم التشريعي يمثل احد اهم الادوات العلاجية في الدفع بالامة للخروج من حالة طغيان الهوية والدفع باتجاه المفهوم الرسالي للانتماء الديني. ان الصراع الطاغي على المشهد الاسلامي هو صراع هويات افرزه الواقع الطائفي للامة الذي افتعله الواقع السياسي للمسلمين اليوم. ولكل واقع يمتد لردح من الزمن آثاره وتعقيداته والخروج من الراهن المتردي الذي ينذر بصدام داخلي ادواته الجراحية العاجلة ومرحلة نقاهة حرجة لابد ان تخوضها الامة قبل ان يتمدد الورم ويأتي على ما تبقى من فرص العلاج.