آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 11:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

القِبلة خطأ!

محمد معتوق الحسين *

عملت لسنوات في مركز تدريب حيث كنا نقيم دورات متعددة على الحاسب الآلي. ذات يوم، فوجئنا بأحد المتدربين يقتحم مكتب الإدارة مدّعياً أن هناك خطأ جسيماً في المبنى، وأن علينا تغييره فوراً. قال أن القِبلة في مصلّى المركز هي في اتجاه خاطئ تماماً!

أضحكني كلامه، فهذه الأمور تُحدد بعناية فائقة، لا مجال فيها للخطأ. لكنني وجدت الموضوع مدعاة لقليل من التفكر. ما الذي يجعلني متأكداً أن جهة القبلة صحيحة؟ لماذا ضحكت هازئاً من كلام الرجل؟ هل يُعقل أن تكون قناعتي بصحة القبلة مبنية على.. مجرد ظن؟

أجدادنا..

فالتاريخ مليء بعقائد كانت سائدة في العالم إلى أن أثبتت الأيام أنها مجرد اعتقادات خاطئة. خذ - على سبيل المثال - مسألة مركز الكون. ألم يعتقد الناس على مدى قرون أن الأرض هي مركز الكون؟ إلى أن جاء العالم «كوبرنيكوس» ووضع نظرية مركزية الشمس في الكون، وكاد أن يموت من أجلها العالم «غاليليو» الذي دافع عنها أمام الكنيسة المتمسكة بمعتقدات الماضي. وتمر السنين، ليثبت العلماء أن الشمس هي ليست مركز الكون، وأن الكون ليس له مركز ولا يحزنون!

من جانب آخر، لو تفكّرنا في رفض الناس لنبوّات الأنبياء وتكذيبهم بالرسالات، لوجدنا أن أحد أهم أسباب ذلك هو التمسك الأعمى بمعتقدات الماضي دون مناقشتها أو التحقق منها، كما جاء في سورة الشعراء «قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ»، والزخرف «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ».

تساءل!

إذاً الموضوع خطير. قد لا نلتفت لذلك، ولكن الكثير من قناعاتنا مبنية على فرضيات نظن أنها صائبة. فقد «نظن» أن عقائدنا صحيحة دون أن نتساءل عن مصادرها وإثباتاتها. وقد «نظن» أننا على صواب مطلق في جميع حواراتنا وأنا الآخر هو مخطئ دائماً. وقد «نظن» أننا على ما يرام، وندعوا ”الله لا يغير علينا“، والحال أننا ينقصنا الكثير.

ليست هذه دعوة للثورة على كل الثوابت ونقض سائر العقائد، بل المطلوب هو أن نراجع قناعاتنا من وقت إلى آخر، ونتأكد أننا كوّنا هذه القناعات بناءً على أسس صحيحة، ليس بينها الهوى أو الظن أو التقليد الأعمى على طريقة ال «كوبي بيست».

فالتساؤل ضرورة، وقليل من الشك المنهجي الذي يهدف إلى تقصي الحقائق، والتخلص من نفايات القناعات الزائفة، هو أمر لابد منه.

هل القبلة خطأ؟

في مركز التدريب، استخفّينا رأي الرجل، ولكنه كان على صواب. القبلة في مصلّى المركز كانت منحرفة بشكل كبير حيث كانت أقرب إلى «القدس» منها إلى «مكة»! المضحك أكثر هو أنني، بعد فترة، قرأت في صحيفة عن مسجد تابع لمستشفى حكومي كبير اكتشف أحد المصلين أن قبلته كانت خطأ، وذلك بعد «ثلاثين سنة» من الصلاة في اتجاه خاطئ.

والآن قل لي.. أمتأكد أن قبلتك صحيحة؟!