آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:24 م

تنبيه الكبار بفضيلة الاعتذار

أحمد العلي النمر

الى الباحثين عن براءة الذمة والاعتذار من الاخرين،

الى الطامحين ان يفدوا على ربهم بقلوب سليمة وسيرة محمودة،

الى من ظلموا واغتابوا وهتكوا وأهانوا وتآمروا على اخوانهم المؤمنين ولديهم رغبة صادقة في التخلص من تبعات هذه الموبقات.

الينا جميعا كبارا، صغارا، ذكوراً اناثا، وجهاء، مغمورين،

تعالوا بنا نتأمل في هذا السلوك الحضاري الذي رسمه صاحب الخلق العظيم والرحمة المهداة ﷺ لعلنا نقتبس منه جذوة نور نستعين بها لعبور ما بقي لنا من ايام في هذه الحياة الفانية،

«عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَ مَا قَالَهُ لِأَصْحَابِهِ فِي مَرَضِهِ  إِلَى أَنْ قَالَ ”إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ حَكَمَ وَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَجُوزَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ، فَنَاشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَ مُحَمَّدٍ مَظْلِمَةٌ إِلَّا قَامَ فَلْيَقْتَصَّ مِنْهُ، فَالْقِصَاصُ فِي دَارِ الدُّنْيَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْقِصَاصِ فِي دَارِ الْآخِرَةِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَائِكَةِ وَ الْأَنْبِيَاءِ“.

فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْقَوْمِ يُقَالُ لَهُ سَوَادَةُ بْنُ قَيْسٍ.

فَقَالَ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَمَّا أَقْبَلْتَ مِنَ الطَّائِفِ اسْتَقْبَلْتُكَ وَ أَنْتَ عَلَى نَاقَتِكَ الْعَضْبَاءِ، وَ بِيَدِكَ الْقَضِيبُ الْمَمْشُوقُ، فَرَفَعْتَ الْقَضِيبَ وَ أَنْتَ تُرِيدُ الرَّاحِلَةَ فَأَصَابَ بَطْنِي، فَلَا أَدْرِي عَمْداً أَوْ خَطَأً؟

فَقَالَ ﷺ: ”مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ تَعَمَّدْتُ“.

ثُمَّ قَالَ: ”يَا بِلَالُ، قُمْ إِلَى مَنْزِلِ فَاطِمَةَ، فَائْتِنِي بِالْقَضِيبِ الْمَمْشُوقِ“.

فَخَرَجَ بِلَالٌ وَ هُوَ يُنَادِي فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ: مَعَاشِرَ النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي يُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ يُعْطِي الْقِصَاصَ مِنْ نَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ  وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ .

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أَيْنَ الشَّيْخُ“؟

فَقَالَ الشَّيْخُ: هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي.

فَقَالَ: ”تَعَالَ فَاقْتَصَّ مِنِّي حَتَّى تَرْضَى“.

فَقَالَ الشَّيْخُ: " فَاكْشِفْ لِي عَنْ بَطْنِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَكَشَفَ ﷺ عَنْ بَطْنِهِ.

فَقَالَ الشَّيْخُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَضَعَ فَمِي عَلَى بَطْنِكَ؟!

فَأَذِنَ لَهُ.

فَقَالَ: أَعُوذُ بِمَوْضِعِ الْقِصَاصِ مِنْ بَطْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ النَّارِ يَوْمَ النَّارِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا سَوَادَةُ بْنُ قَيْسٍ، أَ تَعْفُو، أَمْ تَقْتَصُّ؟

فَقَالَ: بَلْ أَعْفُو يَا رَسُولَ اللَّهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ اعْفُ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ قَيْسٍ كَمَا عَفَا عَنْ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ.»

............

إن من المسلمات لدى أتباع مدرسة اهل البيت ان رسول الله ﷺ منزه عن ارتكاب الخطأ عمداً أوسهواً، وأن الله قد غفر له ماتقدم من ذنوبه وما تأخر، وبالتالي فهو لا يحتاج ان يعتذر، ولكنه ﷺ اراد بهذا العمل ان يقدم للأمة وخصوصاً للرموز و«علية القوم» ومن بيدهم زمام امور المجتمعات دروساً اخلاقية بليغة في التواضع، انه يقول لهم بكل وضوح وباسلوب عملي: - هأنذا نبيكم وقائدكم واشرف خلق الله قاطبة «لا استنكف» عن ان أُقدم الاعتذار على رؤوس الأشهاد عن اي خطأ قد اكون ارتكبته غافلاً، وهأنذا احسن الظن في ادعاء شخص مغمور من عامة الناس وأصغي لشكايته، واطلب بكل تواضع وتسليم ان يُؤتى بالقضيب الممشوق ليأخذ حقه مني امام الناس، وان الاعتذار بهذه الكيفية لا تعني منقصة أو مذلة، إنما تدل على شجاعة وتواضع لا يوفق لها الا من امتحن الله قلبه للأيمان... فيا ايها المؤمنون وبالأخص يا «رؤوس المجتمع» انزلوا من بروجكم العالية، وادحروا عنكم شيطان الكبرياء، وتعاملوا مع الناس وخصوصاً البسطاء منهم بتواضع ورحمة وحسن ظن، فلا زالت الفرصة سانحة امامكم لتبادروا قبل فوات الأوان للأعتذار لمن اسأتم اليهم، وليس هناك انسان - إلا من عصمه الله - لم يرتكب خطأ بحق احد فإن لم يكن عن عمد فعن غير عمد، لانكم انتم «ايها الكبار» اذا تجاوزتم هذه العقبة وأقدمتم على هذه الخطوة فإن كثيراً من مريديكم وممن يقتدي بكم سيتبعون نهجكم، وسيكون لكم الفضل في اشاعة هذه الثقافة النبوية الرصينة في هذا المجتمع البائس الذي هو احوج ما يكون الى اعادة النظر في كثير من قضاياه العالقة.