آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 7:51 ص

نظرية التطور داعية لإليمان‎

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ «11» - صدق الله العلي العظيم - الأعراف.

لو أعطينا رساما لوحة بيضاء ولون أبيض وطلبنا إليه أن يرسم، فهل يستطيع أن يفعل؟ بكل تأكيد لن يستطيع. لو أعطيناه لونا أسودَ فإنه قد يستطيع أن يرسم شيئا رمزيا اعتمادا على مهارته. لو أعطيناه الألوان الثلاثة الأساسية «أحمر وأخضر وأزرق» مع أبيض وأسود فإنه سيستطيع مزج الألوان ليكوّن لنا لوحة جميلة. لكن لو أعطينا كل الألوان في هذا الكون لفنان فاشل فإنه لن يستطيع أن يأتي بلوحة جميلة يقدرها النقاد والفنانون والجماهير. المتخصصون يقدرون الفن من شًحِّ الموارد مع جمال الإنتاج؛ كلما قلّت الموارد وزادت غزارة الإنتاج اُعتبر الصانع «الفنان» أكثر مهارة ومنها يحصل على تقدير أعلى وأرقى.

يتفق الكثير من علماء الفيزياء والعرفانيون في نظرية وحدة الوجود «Pantheism»، ويعتبر العالم الفيزيائي ميتشو كاكو «Michio Kaku» ليس فقط من المؤمنين بل والمؤيدين لهذه النظرة حيث أن كل شيء في هذا الكون وبالرغم من اختلافه أتى من شيء واحد فقط ولا شيء غيره، ومنها يشار إلى أنّ الشيء الواحد لا يأتي إلا من واحد وهو الخالق المصور جلّ وعلا، ووحدانية الوجود تشير إلى الواحد لا شريك له.

النظرية الفيزيائية تنص على أنّ أصل الكون واحد، وكذلك النظرية الحيوية الداعمة للتطور تنص على أن أصل المخلوقات خلية واحدة تدرّجت وعاشت في ظروف مختلفة حتى ظهر تشاكل وتباين المخلوقات. وللوصول للمعنى في نظرية التطور، دعونا نعرّج على لعبة الليگو «Lego» والتي تعتبر من أشهر اللعب التي يزاولها الصغار والكبار، وهي عبارة عن حبّات صغيرة بألوان مختلفة تتشابك مع بعضها لتكوين مجسمات أخرى ذات معانٍ معينة ولا يمكن لها أن ترقى لأن تكون مخلوقات سوية لها روح ناهيك أن تكون واعية وعاقلة، وبالرغم من كل ذلك، لا يمكن لعاقل أن ينكر وجود فنان لهذه المجسمات ولا يمكن له أن يفنّد وجود الصانع لتلك الحبّات الصغيرة التي من خلالها تم تركيب هذا الجسم الكبير الذي يختلف عن الأجسام التي صمّمها الآخرون؛ كما أنّ درجة التحدي تزداد صعوبة إذا لم يكن هناك إلا نوع ولون وحجم واحد من هذه الحبات حيث يكون المنتج النهائي بلا لون ولا طعم وخاليا من اللمسات الفنية.

يرفض بعض المتشددين الدينيين، خصوصا في أمريكا، نظرية التطور لأنهم لا يؤمنون بشيء من خارج كتابهم المقدس الذي ينصّ على أنّ خلق السماوات والأرض تم في ستة أيام وأنّ عُمْرَ الخلق والكون لا يتجاوز عمر الإنسان والذي يقدر بستة آلاف سنة ومنها اتهموا كلَّ من يؤمن بنظرية التطور بالإلحاد. ومن المؤسف أن تنقل هذه العدوى لبعض المسلمين لأن الإسلام يُعتبر أرقى من هذا الفكر وأنّ القرآن الكريم أشار للمجازية في بعض الأمور والقول بأن يوم الله بألف سنة مما نعد كمجاز مطلق لأن الألْفَ حينها كان أكثر عدٍّ يعرفه الناس آنذاك. المحصلة النهائية أن الكثير من الذين يحاربون نظرية التطور لا يأتون من خلفية علمية، بل أكثرهم لا يعرف ما معنى التطور، ومن ثم يكيل بالتهم لها ولمن يتبناها ويدعي أيضا أنه قرأ عنها الكثير، ولكن يبدو أنه قرأ من الفكر المضاد ولم يكلّف نفسه يوما ليقرأ من مصادرها الأولى والحقيقية، وهذا مثل الذي يقرأ عن مذهب إسلامي من خصومه ومن ثم يحكم دون أن يكلّف نفسه ليقرأ كتابا تم تأليفه من داخل ذلك المذهب. وقد يأتي أحدهم ويبرق ويرعد ويكيل الاتهامات ويقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها من قبله حيث أنه لم يقرأ كتاب أصل المخلوقات لداروِن ويتهمه مباشرة بأنه قال إن أصل الإنسان قرد، وداروِن لم يقل بهذا الشيء أصلا، وفوق ذلك تراه يتخبط يمينا وشمالا وتعلم أنه لا يعلم أبسط المبادئ عن نظرية التطور، ويطالبك بمناقشة الفكرة، وهو لم يأتِ بفكرة أصلا لأنه يدافع فقط عن تصورات بعضها أسطورية في عقله قد ربا عليها.

نعود للآية الافتتاحية في تفسير الميزان لها والتي وُضِعَ رابطٌ خاصٌ لها في الحاشية لكي يصل الباحث الجاد للمصدر بسهولة. من المعروف أنَّ حروف العطف ثلاثة: الواو، والفاء، وثم، ولكل منها زمانها. ”ثم“ تفيد الفارق الزمني حتى أراد المفسرون مساواة ”ثم“ ب ”واو“ في هذه الآية بالذات كما قال الأخفش: ”«ثم» هاهنا في معنى الواو“. لا حظوا أن بعض المفسرين والنحاة يحاولون فرض فهمهم للموضوع على القرآن نفسه، وهذا للأسف قد يكون اتهاما ضمنيا للقرآن وكأن الله لا يستخدم المعاني المناسبة في المكان المناسب وكأنهم أعلم من الله فيما يستخدم ولا يستخدم. للعلم، لست أنا من يرّد على صاحب الميزان، ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه، ولكن لماذا يتم لوي المعاني القرآنية لكي تتطابق مع المفاهيم التي ورثها الناس عمن سبقهم؟ الآية تنص وبكل وضوح؛ خلق ثم تصوير، وهنا أدعو القارئ الكريم لمشاهدة الڤيديو في المصدر الرابع والذي يتم فيه صناعة تمثال نصفي «bust» وكيف يتم ترتيب الأمور حيث يقوم الصانع في البداية بتجميع المواد البدائية وفي النهاية يقوم بتصوير المطلوب. وفي آية أخرى من القرآن الكريم، يقول تعالى في الآية الرابعة عشر من سورة نوح: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، حيث يقول صاحب الميزان: ”الحال أنه أنشأكم طورا بعد طور يستعقب طورا آخر فأنشأ الواحد منكم ترابا ثم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم طفلا ثم شابا ثم شيخا وأنشأ جمعكم مختلفة الأفراد في الذكورة والأنوثة والألوان والهيئات والقوة والضعف إلى غير ذلك“، والمراد هنا لِمَ لا يكون المقصود طور خلية ثم متعدد الخلايا ثم كائن مائي ثم زاحف ثم ثديي ثم بشري؛ ما الفرق في المعنى؟ النطفة هي تزاوج خليتين. والعلقة كائن متعدد الخلايا... الخ. هذا التطور لا يعني إنكار الصانع والخالق الذي تدرج في خلقه حتى جعل الإنسان في أحسن تقويم، بل مثل هذا يدل على التدبير المسبق والمحكم وليعلمنا الله كيف نصنع الأمور: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ «5» - السجدة. التحدي الحقيقي والعلمي يكمن هنا حينما يخلق الله سبحانه الكون من مادة واحدة فقط، والتحدي في الخلق يأتي من صنع هذه المخلوقات «تقدر بتسعة ملايين» كلها من أصل واحد.

كل ما أطلبه من إخواني المسلمين ألا ينجروا وراء المتطرفين، خصوصا إذا أتى هذا التطرف من دين آخر محرّف أصلا؛ وكذلكّ ألا يُفتوا في نظرية التطور إلا بعد دراستها من مصادرها الأساسية والتمكن منها، ومن يفهم نظرية التطور يعرف أنها لا تتعارض مع القدرة الإلهية بل تدعمها وتقويها وإنْ اصطدمت النظرية مع الأفكار الأسطورية التي يحملها البعض. نحن نأخذ ديننا من الثِقْلَيْن وليس من آراء الناس وتصوراتهم التي قد تصيب أو تخيب. الإسلام دين عزّ ومعرفة وليس هو الدين الذي يحارب العلم، ولولا وجود الإسلام أصلا لما تطور العلم إلى ما وصل إليه اليوم، وكيف لا، وقد دعم اللهُ رسولَه وعاضده بمن عنده علم الكتاب؟ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ «43» - الرعد.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.