آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 5:01 م

كيف هزمتنا طبيعة صماء؟‎

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ «60» أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون «61» أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ «62» أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون «63» أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين «64» قُل لّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون «65» بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُون «66» وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ «67» لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ «68» قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ «69» وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُون «70» وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ «71» قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ «72» وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ «73» وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ «74» وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ «75» - صدق الله العلي العظيم - النمل.

الأرقام لغة عالمية لا تكذب، ويعمد الكثير من العلماء في المجالات والتخصصات المختلفة للاستعانة بالأرقام للتدليل على نظرياتهم أو شواهدهم، بل حتى بعض علم الغيب الذي وهبه الله سبحانه لعبادة يعتمد في كثير من الأحيان على الأرقام حيث تقوم حواسبنا الضخمة باستنباط حالة الطقس في المستقبل أو كيف وإلى أين يتجه الإعصار، وكل ذلك يأتي من خلال إدخال الأرقام المناسبة كمعطيات لحالة معينة ومنها نستنبط مستقبلها. في علوم الحوسبة، تسمى هذه الأمور محاكاة «simulation»، وهي دوال رياضية غاية في التعقيد وبحاجة إلى موارد ضخمة من الطاقة والحوسبة الرياضية بالإضافة إلى خوارزميات محكمة «algorithms».

في عام 1949م تم تصنيع الدوائر المتكاملة «integrated circuits» للاستخدام في بناء الحواسب، وأخذت هذه الدوائر تتطور وتصغر في الحجم إلى النصف في خلال كل 18 شهر، ولقد اكتشف هذه الظاهرة ودوّنها في ورقة علمية أحد العاملين في هذا المجال ويسمى گوردُن مُوْر «Gordon Moore»، حتى سُمّي هذا القانون باسمه، حيث يطلق عليه اليوم ”قانون مور“ «Moore’s Law». هذا القانون أُسّي «exponential»، أي تتضاعف قدرة وسرعة الحاسوب كل 18 شهر، فإذا كانت سرعته مثلا 100 ذبذبة في عام 1949م فإن سرعته بعد عام ونصف ستصبح 200، وبعد ثلاثة أعوام ستصبح 400، وهكذا دواليك، إلى أن وصلت سرعة المعالجات الحاسوبية إلى ما يزيد على 3 مليار ذبذبة في الثانية قبل عشر سنوات تقريبا وتم إيقاف هذا التسارع للتخفيض من استهلاك الطاقة، ولكن لا يزال التصغير مستمرا حيث يمكن اليوم بناء 8 معالجات حاسوبية في نفس الحيز الذي كان يأخذه معالج واحد فقط قبل 5 سنوات.

يقدر عُمْرُ الكون على أقصى حدّ بأربعة عشر مليار سنة وقد تطور بشكل بطيء جدا إلى أن وصل إلى ما عليه اليوم، ولن نخوض في قانون الديناميكية الثاني الذي ينص على أن الفوضى تزيد مع استمرار الوقت ولا يمكن لها أن تترتب إلى بتدخل خارجي، ومن المعروف والمعلوم أن الكون يتجه نحو النظام، وهذا ما يعاكس القانون الديناميكي الثاني. وإذا كنت تحب أن تعرف القانون الديناميكي الأول فهو ينص على أنّ الطاقة لا تفنى ولا تُستحدث ولكنها تتحول من شكل إلى آخر، وأيضا الكون يعاكس هذا القانون حيث تزيد طاقته باضطراد مستمر، وهذا ما يطلق عليه اليوم مسمى الطاقة المعتمة «dark energy». كلنا يعرف المقولة ”فاقد الشيء لا يعطيه“، ومنها إذا كان الكون فاقدا للعقل والإدراك فمن المستحيل أن يعطيه إلى غيره، ناهيك أن يستطيع أن يخلق كائنات عندها القدرة على الرصد والاستنتاج «sentinel» كما هو في إنسان اليوم.

دعونا نقيس عمر التطور الحاسوبي باستخدام الدالة الأسية بالقيام ببعض الحسابات البسيطة جدا. نحن اليوم نعيش في عام 2016م، والفارق بيننا وبين أول ظهور للدائرة المتكاملة 67 سنة، ولكي نستطيع استخدام الدالة الأسية، علينا أولا أن نقسم هذا العدد على واحد ونصف ليصبح تقريبا 45 سنة. والآن، ما علينا إلا رفع 2 لهذه القوة لتعطينا رقما خياليا يفوق 30 ألف مليار سنة، وهذا يعني أن تطور الحاسوب ولو أرجعناه إلى سنوات طبيعية فأنه يقارب ثلاثين ألف مليار سنة، وهذا يفوق عمر الكون ب 2500 مرة، هذا مع ملاحظة أننا كائنات ذكية وعاقلة ونمتلك السبل بينما الطبيعة، وحسبما يطلق عليها البعض، صماء وليس بها أي ذكاء يذكر، ولكن بالرغم من كل ذلك، استطاعت هذه الطبيعة تكوين مخلوقات ذكية وقادرة على الرصد والتحليل والاستنتاج بينما إلى غاية اليوم نحن لا نستطيع أن نعطي هذه الصفة لغيرنا من المخلوقات أو الآلات. كيف استطاعت هذه الطبيعة أن تهزمنا ونحن متقدمون عليها على الأقل ب 2500 مرة ونحن نمتلك الذكاء والعقل وهي لا تملك؟! هل نحن فعلا أغبياء ولكن مغرورون لتهزمنا طبيعة لا حول لها ولا قوة؟!

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.