آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 11:25 ص  بتوقيت مكة المكرمة

محرِّرُ العبيد!

خليل آل حمادة‎

تفاعلًا مع دور الإمام السجاد - صلوات الله وسلامه عليه - والذي تعددت جوانبه في سيرته المباركة، وما اشتملت عليه حياته الجهادية من أساليب التغيير والإصلاح الاجتماعي..

 وخصوصًا ما يرتبط بمسألة شراء الإمام السجاد للعبيد! وهو الذي لم يكن به إليهم من حاجة!

فقد اقترح الشيخ محمد جواد مغنية - رضوان الله تعالى عليه - وكان من أمنياته أنْ تُمثَّل وتعمل مسرحية خاصة، وعلى ”مسرحٍ عام“ بحسب كلام ”مغنية“ رضوان الله تعالى عليه - لرواية كيفية تعامل الإمام السجاد مع العبيد؛ الذين كان يشتريهم وما به إليهم من حاجة! - كما يقول الشيخ «مغنية».

ولكي نتعرّف على هذه الإمنية، وهذا الاقتراح.. دعونا نتعرّف أوّلًا - على رواية كيفية تعامل الإمام السجاد مع العبيد؛ الذين كان يشتريهم وما به إليهم من حاجة - كما ذكرنا سابقًا - وبعد ذلك نتعرّف ونتأمل في تلك الأمنية وذلك الاقتراح!

فأولًا: كيف كان تعامل الإمام مع العبيد، وما هي صور ذلك التعامل؟!

صور تعامل الإمام السجاد مع العبيد، بعد أن يشتريهم، كالتالي:

1 - كان يأتي بهم إلى عرفات، فإذا انتهى من مناسكه أعتقهم، وأعطاهم الأموال.

2 - كان إذا ملك عبدًا في أول السنة أو في أثنائها أعتقه ليلة الفطر، وما استخدم خادمًا أكثر من حول.

3 - ثم يطلب منّا الشيخ «مغنية» أن نصحبه؛ لنقرأ المثال التالي من سيرة الإمام السجاد، ولنعرف بأي الوسائل كان يتقرب [إمامنا السجاد] إلى الله تعالى، ويطلب غفرانه ورضوانه، فلم يكتفِ [إمامنا السجاد، ، كما يقول الشيخ مغنية] بالصوم والصلاة، والحج والصدقات، والإرشاد إلى الخيرات، والعفو عمّن أساء إليه، بل تقرّب إليه سبحانه بالإحسان إلى المستضعفين، وإعطاء الحرية للمستعبدين. " ص 426،

4 - ولنتأمل في هذا المشهد التالي:

”كان إذا أذنب عَبْدٌ من عبيده: أو أمة من إمائه، يكتب اسم المذنب ونوع الذنب، والوقت الذي حصل فيه، ولم يعاقب المذنب أو يعاتبه، حتى إذا انتهى شهر رمضان المبارك؛ جمعهم حوله، ونشر الكتاب، وسأل كلَّ واحدٍ منهم عن ذنبه، فيقر ويعترف، فإذا انتهى من عملية الحساب؛ وقف في وسطهم،

وقال لهم: قولوا معي:

يا علي بن الحسين، إنّ ربك قد أحصى عليك، كما أحصيت علينا، وإنّ لديه كتابًا ينطق بالحق، كما نطق كتابك هذا، فاعف واصفح، كما تحب أن يعفو عنك المليك ويصفح، واذكر وقوفك بين يدي الله ذليلًا، كما نحن وقوف بين يديك.

فينوحُ الإمام ويبكي، ثم يعفو عنهم ويقول: اللهم إنك أمرتنا بالعفو عمن ظلمنا، وقد عفونا كما أمرت، فاعفُ عنّا، ثم يقبل على عبيده، ويقول: أنتم أحرار لوجه الله، ويناجي ربه قائلًا: اللهم إنِّي عفوت عنهم واعتقت رقابهم كما أمرت،

فاعف عنّي واعتق رقبتي من النار، ويأمر العبيد أن يقولوا: اللهم آمين رب العالمين، فيرفعون أصواتهم بالابتهال والدعاء لسيِّدهم المحسن، ثم يذهبون إلى سبيلهم بعد أن يجيزهم بما يغنيهم عمّا في أيدي الناس.“ ص 426،

إنّ هذه الرواية «وهذا المشهد التمثيلي!» كان إحدى أمنيات واقتراحات الشيخ محمد جواد مغنية - رضوان الله تعالى عليه - فقد علّق على هذا المشهد بين قوسين: «هذه الرواية» قائلًا:

”ولو مٰثِّلت هذه الرواية، كما هي على مسرح عام؛ لأحدثت ثورة في العقول، ولفعلتْ فعلَ السحر في النفوس، واتجهت بها إلى الله، وعمل الخير، وكانت أجدى من ألف كتابٍ وكتاب، في الوعظ والأخلاق.“ ص 427،

وإلى أن يقول الشيخ محمد جواد مغنية - رضوان الله تعالى عليه -: ”ولو أنّ الذين يهتمُّون بالأخلاق ومشكلات المجتمع اطلعوا عليها وعلى أمثالها من سيرة الإمام السجاد، وتنبّهوا إلى ما تحويه من الأسس والقوانين؛ لبلغوا الغاية المنشودة من أقصر الطرق وأيسرها.“ ص 427،

كما يرى الشيخ «مغنية» - رضوان الله تعالى عليه - أنّ هذه الرواية قد حدّدت وأعطت مفهومًا عميقًا لمعنى «حب الله، ومحبة الإنسان لله - جلّ جلاله -» فمن هو الإنسان الذي يقال عنه أنّه محبٌّ لله - جلّ جلاله -؟!

ولذلك يقول الشيخ «مغنية»، مجيبًا، على سؤالنا هذا، بما يلي من الاستنتاج الجميل والنبيه.. ولنتأمل بيانه الرائع:

" لقد حدّدت هذه الرواية حبّ الإنسان لله سبحانه بأنّه حبُّ البشرية والحريّة، [هذا أوّلًا، كما يقول الشيخ مغنية، كما]، وإن حبيب الله هو صديق الإنسان الذي لا يعرف التعصب، ولا العنصرية، ولا القوة. [وهذا ثانيًا كما يرى الشيخ مغنية]

كما ويخرج الشيخ «مغنية» في استنتاجاته بهذه النتيجة العميقة التالية، حين نراه يقول:

”وبالتالي، فإنّ التراث الذي تركه أهل البيت للإنسانية لا نجده في جامعة، ولا كتاب، ولا عند أمة من الأمم.“! ص 427،

إنتهى ما أردنا الاستشهاد به من كلام شيخنا «مغنية» تحت عنوان بحثنا[1] ..

إشارتان في المقام:

الإشارة الأولى:

أقول: تبقى بعض الإشارات والملاحظات والاستفادات المهمة في هذا المجال، فيما يرتبط بهذا المشهد، وهذه المسرحية، وهذه الرواية!

لعل الإشارات والملاحظات والاستفادات كثيرة ها هنا، خصوصًا ما يرتبط بتفعيل الجانب الإعلامي للعمل الهادف، ودوره المهم في عملية التغيير والإصلاح الاجتماعي للعاملين في الساحة الاجتماعية، وهذا ما نخصص له - بمشيئة الله - الحلقة الثانية من البحث.

الإشارة الثانية: التي أودُّ أن أشير إليها هنا، هي أنّه تبقى المعطيات الإسلامية ماثلة أمامنا، وتقرع أسماعنا كل وقت وحين، حول ما أشارت إليه تلك المعطيات الإسلامية عن أهمية وتأثير الدعوة بغير اللسان!

فإنّ العبرة التي نأخذها، في هذا المجال، بالنسبة إلينا مع الآخرين؛ المجتمع، الناس، الأسرة، الزوجة، الأولاد، الأصدقاء،.. وفي كل زمان ومكان، هي أنّه، وكما يقول الشهيد الصدر - قدِّس سره - " نحن أيضاً يجب أن نفكر في أننا سوف لن نطمع في هداية الآخرين عن طريق إعطاء المفاهيم فقط، عن طريق إعطاء النظريات المجردة فقط، وتصنيف الكتب العميقة.

كل هذا لا يكفي!

إلقاء المحاضرات النظرية

لايكفي!

لا بد لنا أن نبني تأثيرنا في الآخرين أيضًا على مستوى الحس، يجب أن نجعل الآخرين يحسون منا بما ينفعلون به انفعالاً طيبًا طاهرًا مثاليًا؛ فإن الآخرين مثلنا. الآخرون هم بشر، والبشر ينفعلون بالحس أكثر مما ينفعلون بالعقل، فلابد إذًا؛ أن نعتمد على هذا الرصيد أكثر مما نعتمد على ذلك الرصيد. "

وإلى أن يقول السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - «وهو موضع الشاهد هنا، وهو موافق لما ذكره الشيخ مغنية سابقًا» يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر - قدِّس سره - " كتاب، مائة كتاب نظري، لا يساوي أن تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء. حينما تعيش الحياة التي تمثل خط الأنبياء بوجودك بوضعك بأخلاقك، بإيمانك بالنار والجنة، إيمانك بالنار والجنة حينما ينزل إلى مستوى الحس إلى مستوى الرقابة الشديدة إلى مستوى العصمة،

حينما ينزل إلى هذا المستوى يصبح أمرًا محسوسًا، يصبح هذا الإيمان أمرًا حسيًا، حينئذ سوف يكهرب الآخرين، ولا نطمع بالتأثير عليهم على مستوى النظريات فحسب؛ فإن هذا وحده لا يكفي، وإن كان ضروريًّا أيضًا، ولكن يجب أن نضيف إلى التأثير على مستوى النظريات؛ تطهير أنفسنا، وتكميل أرواحنا، وتقريب سلوكنا من سلوك الأنبياء - صلى الله عليهم أجمعين وأوصياء هؤلاء الأنبياء؛ لنستطيع أن نجسّد تلك القيم والمثل بوجودنا أمام حس الآخرين قبل أن نعطيها بعقول الآخرين أو توأمًا مع إعطائها لعقول الآخرين.

اللهم وفقنا للسير في خط أشرف أنبيائك والالتزام بتعاليمه، غفر الله لنا ولكم جميعاً. "[2] 

مثابين ومأجورين.

 

[1]  كتاب «النبي والزهراء والأئمة الاثنا عشر» الشيخ محمد جواد مغنية، وهذا الكتاب قد طُبع مع مجموعة كتبه المتعددة في كتاب واحد ضخم، تحت اسم أحد كتبه وهو «الوضع الحاضر في جبل عامل في مطلع الاستقلال بداية القهر والحرمان» محمد جواد مغنية، دار التيار الجديد، دار الجواد، بيروت لبنان، الطبعة الثالثة، 1410 هـ - 1990م، ومجموع صفحات الكتاب «هذه الكتب المتعددة جميعًا» هو 1072 صفحة!

[2]  أهل البيت؛ تنوّع أدوار ووحدة هدف، السيد محمد باقر الصدر، ص، 55، 56، دار التعارف للمطبوعات، لبنان.