آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 10:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

نور وأم أحمد

محمد معتوق الحسين *

ها قد وصلنَ جارات أم أحمد للأمسية الموعودة. استقبلَتْهن بأبهى مظهر، ورحبت بهن في المجلس الكبير المجهّز بأغلى قطع الأثاث، والمزّين بأبهى الثريّأت وأرقى التحف. سرعان ما ضج المجلس بالحديث والضحك. ”كيفك يا أم أحمد؟ وشلونك مع الوظيفة؟“ سألت إحداهن. تنهدت أم أحمد قليلاً، ثم شرعت تفضفض لصديقاتها عن أحوالها ”الصعبة“، خصوصاً مع مديرها في العمل، الذي لم يفوّت فرصة للتنكيد عليها، وأذيتها، ولم يتورع عن ظلمها وتقديم الآخرين عليها للترقيات والفرص، رغم أنها الأجدر. وبينما كانت النسوة يكلن عبارات المواساة لأم أحمد، دخلت الخادمة «نور» تحمل صينية الشاي، ووضعتها بهدوء على الطاولة. توقف الزمن مع صرخة سيدة المنزل: ”لماذا أربعة فناجين فقط؟! ألا ترين أننا خمسة؟ غبية!!“.

صدمة.. دهشة.. فيتواصل الحديث وكأن شيئاً لم يكن.

ما قامت به أم أحمد هو واقع نعيشه في الكثير من بيوتنا كل يوم. في بلادنا يقيم الملايين من العاملين، وفي حالات كثيرة يتعرض أولئك إلى أنواعٍ متعددة من الظلم. ظلمٌ يثقل علينا الاعتراف بوجوده فضلاً عن انتقاده ومحاولة علاجه.

اليوم راحة «ماري»

خذ على سبيل المثال الظلم في «ساعات العمل». هل تعلم أن عقد خادمتك أو سائقك ينص على أن يحصلان على يوم راحة «كامل» أسبوعياً؟ كم مرة سمعت رب أسرة يقول: ”سأشتري الأغراض من السوق بنفسي لأن اليوم هو راحة «راجو»“؟ وكم مرة سمعت سيدة تقول: ”سأقوم بأعمال البيت اليوم لأن «ماري» تتمتع بإجازتها الأسبوعية“؟ بل كم مرة سمعت أن أحداً قرأ عقد عامليه أصلاً؟

أتذكر أن بعض معارفي اعترض لأنني أعطيت عاملتنا المنزلية حقها في الإجازة الأسبوعية، وحين سألته عن سبب انفعاله قال: ”لأن خدمنا سيسمعون بذلك، وسيطالبون بإجازة هم أيضاً“! تذكرت الآيات الكريمة «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ».

سواقنا الغبي..

والأمر لا يتوقف عند ساعات العمل فحسب، فالأخطر من ذلك هو سوء الخلق الفاحش الذي يمارسه البعض مع العاملين. فمن الوارد أن ترى أحدهم يصرخ على سائقه أو يسبه بأسوء الألفاظ. ومن الوارد أيضاً أن تسمع إحداهنّ تغتاب خادمتها بأبشع العبارات على مسمع الكبار والصغار.. الصغار الذين يتعلمون منذ نعومة أظفارهم أساليب احتقار العمال والخدم.

قد يدّعي البعض أن الخدم هم غالباً سيؤوا الخلق، وربما مجرمون، مستشهداً بأخبار مشاكل الخدم التي نسمعها بين الحين والآخر. لكنني أظن أن عداء بعض العاملين لكفلائهم هو ردة فعل لسوء الخلق الذي عوملوا به. فالعامل والخادمة والسائق هم أناسٌ تركوا أهلهم وحياتهم سعياً في طلب الرزق. صحيح أن بينهم سيئين، لكنهم غالباً أناس عاديون. إلا أن معاملة البعض القاسية والظالمة تتسبب في إخراج الصورة الأسوأ لشخصياتهم وأخلاقهم، وقد يتحولون من أناس عاديين إلى أعداء يتحينون الفرص لأذية العائلة. وفي كل الحالات، علينا نحن أن نتحمل مسؤولية التعامل بأخلاق عالية على الدوام. لنقم بواجبنا أولاً، ثم لنحاسب الآخرين.

أم أحمد..

بصراحة لا أعرف أم أحمد ولا جاراتها ولا خادمتها نور، فكلّهن من نسج خيالي، لكن لو كانت أم أحمد شخصية حقيقية، فلعل معاناتها مع مديرها هي عقوبة ظلمها لخادمتها. أليس من المفارقة أن يطالب المرء بالمعاملة العادلة، بينما يمارس هو الظلم ليل نهار؟ أليس غريباً أن يدعو الله أن ييسر أمره بينما يعسر هو حياة من هم أضعف منه؟ إذا أردت رحمة الله، ارحم عباد الله.

عادت نور حاملة الصينية عليها خمسة فناجين شاي. شربت النسوة كلهن، إلا أم أحمد، فقد كانت صائمة!