آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

موسيقى الصِّبا

محمد معتوق الحسين *

ذات يوم، تلقّى قائد الأوركسترا الهولندي الشهير «أندريه ريو» رسالةً من شخص ادّعى أنه مؤلف موسيقي، طَلب فيها أن تعزف الأوركسترا موسيقاه. يقول أندريه: ”أتلقى طلبات كهذه كل يوم من مؤلفين موسيقيين يريدونني أن أعزف موسيقاهم... ولكن عندما سمعت اسم ذلك الشخص، كدت أفقد وعيي“. لقد تفاجأ أندريه عندما علم أن ذلك المؤلف الموسيقي المغمور، لم يكن سوى الممثل الويلزي «أنتوني هوبكنز»، أحد أشهر الأسماء في تاريخ سينما هوليوود. ولكن كيف لشخص أن يكتب الموسيقى وقد تجاوز السبعين من عمره؟

علم أندريه فيما بعد أن الفنان الحائز على جائزة الأوسكار كان شغفه الأول بالموسيقى، وليس التمثيل. ولكن الأقدار شاءت أن يحترف التمثيل، ويمارس شغفه الموسيقي بالخفاء. يقول هوبكنز: ”لقد ألّفت الموسيقى طوال حياتي، ولو أنني كنت ذكياً بما يكفي في المدرسة، لالتحقت بكلية الموسيقى، لذلك قررت أن أتنازل وأستقر على التمثيل“.

كان عمر هوبكنز 19 ربيعاً عندما كتب قطعته الموسيقية «وتستمر موسيقى الفالتز» التي رغب أن يعزفها أندريه وفرقته. كتبها على وريقات، ولكنها بقيت هناك مسجونة في دفاتر النسيان. يا تُرى، إلى متى تبقى الأحلام المسجونة على قيد الحياة؟

الآن أندريه أمام خيار صعب. هل يرفض طلباً لشخصية بارزة مشهورة كهذه؟ أم يقبل أن يعزف موسيقىً قد لا تكون بالمستوى المطلوب، ويخاطر بسمعته كأحد أهم الموسيقيين في أوروبا؟

من حسن حظ قائد الأوركسترا، فقد كانت القطعة الموسيقية التي كتبها هوبكنز في غاية الروعة، كانت كرسالة حبٍّ ذات رومانسية استثنائية، خبأها كاتبها العاشق في زجاجة، ورماها في بحر الزمن، لتستقر بعد خمسين سنة على شاطئ أوركسترا أندريه. يصف أندريه المقطوعة قائلاً: ”لقد كانت موسيقى رائعة، محمِّسة، رومانسية، آسرة. أنا فخور أن بإمكاني أن أعزفها“.

جمع العازف فرقته، وتدربوا على عزف المقطوعة بأجمل صورة، ثم وجَّه الدعوة للممثل الشهير ليحضر الحفل الذي ستُعزف فيه موسيقاه. حضر هوبكنز وعائلته وجمهور غفير، ملأ قاعة الحفل الفارهة. وهناك، بعد خمسين سنة من الانتظار، سمع أنتوني هوبكنز موسيقاه تُعزف.. لأول مرة! نعم.. حتى هو لم يكن قد سمعها بعد.

هل تذكر أحلام الطفولة والصبا؟ تلك الأمنيات التي رسمتها على السقف قبل النوم، وهمست بها لأمك حين جاءت تغطيك. أتذكر براءتك حين لم تردعك هواجس «الظروف» و«الصعوبات» عن الابتسام كلما رأيت حلمك حقيقة ممكنة؟ ربما علّمتك الصعوبات أن تنسى التفاؤل، وشغلتك الظروف عن عزف الموسيقى، إلى أن محت السنين أحلامك من على السقف، وتلاشت همسات التفاؤل في صخب الحياة.

عُد إلى موسيقاك التي كتبتها صغيراً، وحفظتها في كتاب الأحلام راجياً أن تزورها يوماً، وتملأ بألحانها العالم. هي هناك صدقني. لازالت محتفظة ببراءتك وحماستك وشغفك. عُد لها، امسح الغبار عنها.. واعزفها.. ولو بعد سنين..