آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 10:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الشهيد الصدر: المربِّي الأول للبشرية؟!

خليل آل حمادة‎

توطئة:

خليل آل حمادة والشهيد الصدرأول ما يتبادر إلى ذهن البعض وهو يسمع أو يقرأ هذا العنوان «المربي الأول للبشرية» يتبادر إلى ذهنه شخصيات عظيمة في تاريخ الإنسانية؛

مثل: «أرسطو طاليس» أو «الفارابي» فالأول منهما كانوا يسمونه «المعلم الأول» وأما الثاني فكانوا يلقبونه «بالمعلم الثاني» أما لماذا كان الأول يلقب بذلك اللقب؟! ولماذا كان الثاني يلقبونه، هو الآخر، بلقب المعلم الثاني؟! فهذا ليس مقام بحثنا، وإنما السؤال الذي يطرح نفسه، في المقام، هو: من هو المعلم الأول البشرية؟! هل هو أرسطو؟! أو الفارابي؟! أو الرسول الأكرم محمد ﷺ -؟! لأن البعض قد يسأل ويقول: لماذا تذكرون أرسطو أو الفارابي؟! فأين رسول الله محمد - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله من المقام؟!

وإذن مقام البحث، والسؤال الذي يطرح نفسه في المقام هو هذا: من هو المعلم الأول للبشرية؟!

قاعدة:

وللدخول إلى مقام البحث يلزمنا أن نطرح عدة مفاتيح؛ وقبلها يلزمنا أن نطرح هذه القاعدة أولًا:

قاعدة:

”الإنسان خلق حسِّياً أكثر منه عقليًا!“

هذا ما قاله الشهيد السعيد، والمفكر الإسلامي الكبير، السيد محمد باقر الصدر - قدِّس سره - ويرى أن لهذه القاعدة آثارًا تربوية ومعرفية واجتماعية مهمة؛ وهو يبيِّن هذه القاعدة كالتالي:

”الإنسان خلق حسياً أكثر منه عقلياً، خلق يتفاعل مع حسِّه أكثر مما يتفاعل مع عقله، يعني: أن النظريات والمفاهيم العقلية العامة في إطارها النظري، هذه المفاهيم حتى لو آمن بها الإنسان إِيمَانًا عقليًا، حتى لو دخلت إلى ذهنه دخولاً نظرياً، مع هذا، لا تهزه ولا تحركه ولا تبنيه ولا تزعزع ما كان فيه ولا تنشئه من جديد إلاّ في حدود ضيقة جداً، على عكس الحس، فإن الإنسان الذي يواجه حسّاً، ينفعل بهذا الحس وينجذب إليه، وينعكس هذا الحس على روحه ومشاعره وانفعالاته وعواطفه بدرجة لا يمكن أن يقايس بها انعكاس النظرية والمفهوم المجرد عن أي تطبيق حسي“

المفتاح الأول:

لماذا قرن ارتباط كل دين بالمعجزة؟

ومن هنا، وتأسيسًا على هذه القاعدة يرى السيد الصدر - قدِّس سره - أنّه ”ليس من الصدفة إن كان الإنسان على طول الخط في تاريخ“ المعرفة البشرية" أكثر ارتباطًا بمحسوساته من معقولاته وأكثر تمسكًا بمسموعاته ومنظوراته من نظرياته.

”فإن هذا هو طبيعة التسليم الفكري والمعرفي عند الإنسان وليس من الصدفة أن قرن إثبات أي دين بالمعجزة وكانت أكثر معاجز الأنبياء معاجز على مستوى الحس؛ لأن الإنسان يتأثر بهذا أكثر مما يتأثر بأي مستوى آخر“

نتيجة:

ولذلك يخرج السيد الشهيد من كل ما تقدّم بهذه النتيجة قائلًا:

”إذاً: فالإنسان بحسب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري خلق“ حسياً أكثر منه عقلياً ”خلق متفاعلاً مع هذا المستوى من الانخفاض من المعرفة؛ أكثر مما هو متفاعل مع المستوى النظري المجرد عن المعرفة، وهذا يعني أن الحس أقدر على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرد ويحتل من جوانب وجوده وشخصيته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر مما يحتل العقل:“ المفهوم النظري المجرد".

المفتاح الثاني: الطريقة المفضلة لتربية الأطفال:

هذه النتيجة التي خرج بها السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - قد استفاد منها العلامة فضل الله - رضوان الله تعالى عليه في محاضرات تفسيره «من وحي القرآن»، ولذلك يتفق فيها مع الشهيد الصدر، ويرى السيد «فضل الله» أن تلك القاعدة التي ذكرها السيد الشهيد الصد، تلك النتيجة؛ تعتبر، في نظر العلامة فضل الله بمثابة

«الطريقة المفضلة لتربية الأطفال»:

لأنّ ”الحس [كما قال الشهيد الصدر] أقدر على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرد ويحتل من جوانب وجوده وشخصيته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر مما يحتل العقل:“ المفهوم النظري المجرد".

"وهو من الأساليب البلاغية الرائعة[كما يقول العلامة فضل الله] التي استخدمها القرآن في أكثر من مجال من أجل إعطاء فكرة واضحة حية عن القضايا المعنوية بمقارنتها بالأشياء الحسية التي تتجسد فيها الصورة في هزة حركية مثيرة للنظر والوجدان والشعور، تماماً، كوسائل الإيضاح التي تحاول تعميق الفكرة في النفس وتقريبها إلى الوجدان بإبراز عناصرها بالوسائل الحسية لأن تأثير الحس في النفس أشد عمقاً وأكثر تأثيراً من الجوانب المعنوية في حياته،

ولذلك كانت هي الطريقة المفضلة في أسلوب التربية للأطفال الذين لا يستطيعون إدراك الجوانب المعنوية إلا بأسلوب التجسيد الحسي الذي يربط الطفل بمرئياته وملموساته... وقد تكون قيمتها في قرب الفكرة التي يوحيها المثل إلى ذهن الإنسان وروحه مما يجعل مقارنتها بالفكرة التي يراد عرضها للفكر، أمرًا عمليًا مثيرًا. "

المفتاح الثالث: حاجة الإنسانية إلى الحس المربي:

"بناء على هذا[يقول السيد الشهيد] كان لا بد للإنسانية من حس مربي؛ زائد على العقل والمدركات العقلية الغائمة الغامضة؛ التي تدخل إلى ذهن الإنسان بقوالب غير محددة وغير واضحة.

إضافة إلى هذه القوالب؛ كان لا بد لكي يربى الإنسان على أهداف السماء، على مجموعة من القيم والمثل والاعتبارات، كان لا بد من أن يربى على أساس الحس. "

نتيجة:

ولذلك يرى السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - أنّ "هذا هو السبب في أن الحضارات، كل الحضارات، التي عرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا، إلى حضارة الإنسان الأوربي؛ التي تحكم العالم ظلماً وعدوانًا، كل هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء؛ رباها الحس، ولم يربها العقل؛ لأن الحس هو المربي الأول دائماً، فكان لا بد لكي يمكن تربية الإنسان على أساس حس؛ يبعث في هذا الإنسان إنسانيته الكاملة الممثلة لكل جوانب وجوده الحقيقية؛

كان لا بد من خلق حس في الإنسان، يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم، ويدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسِّياً، لا إدراكاً عقلانيًا بقانون «الحسن والقبح العقليين» فقط. وهذا يعني ما قلناه: من أن ضرورة الإنسان في خط التربية تفرض أن يودع في طبيعة تكوينه وخلقه أرضية تكون فيه حسًّا بكل ما يمكن للعقل إدراكه، وما لا يمكن للعقل إدراكه، من قيم ومثل واعتبارات.

وهذه الأرضية أو هذا الاستعداد الكامل؛ الذي كان الارتباط المباشر مع الله سبحانه وتعالى؛ لكي تنكشف كل الصحف، وكل الستائر عن كل القيم، وكل المثل، وكل هذه الاعتبارات والأهداف العظيمة؛ لكي تُرى رؤية العين وتُسمع سماع الأذن؛ لكي يلمسها بيده، يراها بعينه. "

ملاحظة:

«من عنده وقت للمطالعة؛ يقرأ الصفحة الأخيرة من كتاب «الأسس المنطقية للاستقراء» للسيد الشهيد تحت عنوان «الكلمة الأخيرة» هناك يؤكد السيد الشهيد على أهمية " الدليل التجريبي على وجود الله - الذي يضع هذا الكتاب أساسه المنطقي - [ويعتبره] أقرب إلى الفهم البشري العام، وأقدر على ملء وجدان الإنسان - أي إنسان - وعقله بالإيمان؛ من البراهين الفلسفية، ذات الصيغ النظرية المجردة؛ التي يقتصر معظم تأثيرها على عقول الفلاسفة وأفكارهم.

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ سورة فُصِّلت، 53. "

المفتاح الرابع: بذرة الحس في النوع البشري:

كان لا بد أن توجد بذرة مثل هذا الحس في النوع البشري؛ إلا أن وجدان هذه البذرة في النوع البشري لا يعني أن كلَّ إنسان سوف يصبح له مثل هذا الحس، وينفتق إدراكه عنه وإنما يعني أن الإمكانية الذاتية موجودة فيه؛ إلاّ أنّ هذه الإمكانية لن تخرج إلى مرحلة الفعلية؛ إلاّ ضمن شروطها وظروفها وملابساتها الخاصة؛

كأي إمكانية أخرى في الإنسان. ”لأنّه، كما يقول السيد الشهيد - قدِّس سره -:“ هناك شهوات وغرائز موجودة في الإنسان منذ يخلق وهو طفل، ولكنه لا يعيش تلك الشهوات ولا يعيش تلك الغرائز إلى مراحل متعاقبة من حياته؛ فإذا مرّ بمراحل متعاقبة من حياته؛ تفتحت تلك البذور، حِينَئِذٍ أصبح يعيش فعلية تلك الشهوات والغرائز. "

هذا ما ذكره السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - في محاضراته؛ التي جمعت في كتاب تحت عنوان «أهل البيت؛ تنوّع أدوار ووحدة هدف» ولكنه في كتابه الشهير «فلسفتنا» يشرح هذا المعنى، كما سنعرف بعد قليل، ولعل كلام السيد الشهيد يجعلنا نتساءل أنّه كيف نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة؟

كما يدفعنا لأن نتعرّف على الاستعدادات الموجودة في الإنسان، كما يجعلنا نتساءل عن دور حب الذات في توجيه الاستعدادات الكامنة في الإنسان!

فماذا قال الشهيد الصدر، وماذا كتب في هذا المجال؟!

فلنتأمل بيانه حيث يقول: ”يمكننا أن نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة في مجالات“ الأنانية ”و“ الإيثار" على حد سواء.

ففي الإنسان ”استعدادات“ كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة ”مادية“ كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادية أو ”معنوية“، كالالتذاذ الخلقي والعاطفي، بقيم خلقية أو أليف روحي أو عقيدة جزء من كيانه الخاص. " ثم ينتقل السيد الشهيد؛ ليعرفنا على

درجات الاستعدادات:

حيث يقول: ”وهذه الاستعدادات التي تهيء الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوعة، تختلف درجاتها عند الأشخاص، وتتفاوت في مدى فعليتها باختلاف“ ظروف الإنسان ”وعوامل الطبيعة و“ التربية" التي تؤثر فيه.

فبينما نجد أن بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعية، كاستعداده للالتذاذ الجنسي مثلًا، نجد أن ألوانًا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان، وتظل تنتظر ”عوامل التربية“ والتي تساعد على نضجها وتفتحها. " بعدها ينتقل بِنَا الشهيد الصدر - قدِّس سره - ليعرفنا على دور

حب الذات:

حيث يقول ”وغريزة حب الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعًا؛ [فهي التي] تحدد سلوك الإنسان وفقًا لمدى نضج تلك الاستعدادات؛ فهي [مثلًا] تدفع إنسانًا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع، وهي بنفسها تدفع إنسانًا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه؛ لأنّ استعداد الإنسان الأول للالتذاذ بالقيم الخلقية والعاطفية الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامنًا، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته. بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية، فأصبح يلتذ بالقيم الخلقية والعاطفية ويضحي بسائر لذاته في سبيلها.“ «فلسفتنا»

نتيجة:

بما تقدّم، كما يرى السيد الشهيد - كلّ "هذا على مستوى تلك الشهوات والغرائز، كذلك على مستوى هذا الحس؛ الذي هو أشرف وأعظم وأروع ما أودع طبيعة الإنسان. هذا قد لا يعيشه مئات الملايين من البشر في عشرات الآلاف من السنين، قد لا ينفتح، يبقى مجرد استعداد خام، وأرضية ذاتية تمثل الإمكان الذاتي لهذه الصيغة فقط. دون أن تنفتح عن وجود مثل هذا الحس؛ لأن تفتّحه يخضع - لما قلناه - من الملابسات والشروط التي لها بحث آخر أوسع من كلامنا اليوم.

أرضية أن يحس الإنسان بتلك القيم والمثل تصبح أمرًا واقعيًا في أشخاص معينين يختصهم الله تعالى بعنايته ولطفه واختياره، وهؤلاء هم الأنبياء والمرسلون الذين يرتفعون إلى مستوى أن تصبح كل المعقولات الكاملة محسوسات لديهم؛ يصبح كل ما نفهمه وما لا نفهمه، من القيم والمثل، أمراً حسيًِّا لديهم، يحسّونه ويسمعونه ويبصرونه. "

المفتاح الخامس: الأفكار التي ترد إلى ذهن الإنسان:

يطرح هذا السؤال كالتالي:

لماذا تصبح كل المعقولات الكاملة محسوسات بالنسبة للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - بحيث أنهم يحسونها ويبصرونها ويسمعونها..؟!

يجيبنا، على هذا السؤال، السيد الشهيد الصدر قائلًا: "ذلك أن الأفكار التي ترد إلى ذهن الإنسان؛ تارة ترد إلى ذهنه وهو لا يدرك إدراكًا حسيًّا مصدر هذه الأفكار؛ [لأنّ] الأفكار التي ترد إلى الإنسان كلنا نؤمن بأنها أفكار بقدرة الله وعنايته؛ [فهذه الأفكار قد] وردت إلى ذهن الإنسان، وإلى فكره، لكنَّ إيماننا بذلك إيمان عقلي نظري لا حسي؛ لأنه الله سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والمعرفة، [وكذلك هو - جل جلاله - مصدر] الأفكار الخيرة في ذهن الإنسان، ولهذا أي فكرة من هذا القبيل تطرأ في ذهن الإنسان نؤمن عقليّا بأنها من الله سبحانه وتعالى.

لكن هناك فارق كبير بين حالتين: [كما يقول السيد الشهيد الصدر] بين حالة أن ترد فكرة إلى ذهن الإنسان؛ فيحس بأن هذه الفكرة ألقيت إليه من أعلى، بحيث يدرك إلقاءها من أعلى، كما تدرك أنت الآن أن الحجر وقع من أعلى، يدرك هذا بكل حسه وبصره، يدرك أن هذه القطرة هذا الفيض، هذا الإشعاع،

قد وقع من أعلى، أُلقي عليه من الله، سبحانه وتعالى، وأخرى؛ لا يدرك هذا على مستوى الحس، يدركه عقلياً، يدرك أن هناك فكرة تعيش في ذهنه، نبرة خيرة، لكنه لم ير بعينه أن هناك يدًا، قذفت بهذه الفكرة إلى ذهنه. " «أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف» السيد محمد باقر الصدر.

في هذا السياق أيضًا يتفق السيد الإمام - قدِّس سره - مع السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - فيما يتعلق بالأفكار التي يقذفها الله في ذهن الإنسان! ففي كتابه ”شرح دعاء السحر“ ص111، يقول السيد الإمام: "إن المشيئة وإن كانت مقام ظهور حقيقة الوجود، وهي مشهودة لكل عين وبصيرة...

فهي مع ذلك محجوبة في ملابس التعينات مجهول كنهها مخفية حقيقتها. ”وإلى أن يقول - قدِّس سره -:“ حتى أن ظهور الحقائق العلمية في مدارك العلماء بها وهي نفسها غير معلومة لهم، وغير منكشفة عندهم، بحسب الحقيقة والكنه، وإن كانت مشهودة بحسب الهوية والوجود، ولم تكن مشهودة لكل أحد بإطلاقها وسريانها وبسطها وفيضانها، بل الشهود بقدر الوجود والمعرفة بقدر مقام العارف".

ومن هنا - وقبل ذلك - يمكن للباحث أن يعقد مقارنة ودراسة حول كثير من الأفكار والمطالب الفلسفية والعرفانية والأخلاقية وغيرها بين مدرسة الإمام الخميني والشهيد الصدر ليرى كيف هو الذوق وصناعة الأسلوب والرؤية عندهما.

المفتاح السادس: الأفكار التي تقذف في الذهن:

حول هذه الأفكار يقول السيد الشهيد: "هذه الأفكار التي تقذف في ذهن الإنسان؛ فيتوفر لدى ذاك الإنسان حس بها، بأنها قذفت إليه من الله، سبحانه وتعالى، وأُفيضت عليه من واجب الوجود، واهب الوجود، وواهب المعرفة، فهي أيضاً على أقسام؛ لأن هذا الإنسان تارة قد بلغ حسه إلى القمة؛

فاستطاع أن يحس بالعطاء الإلهي من كل وجوهه وجوانبه، يسمعه، ويبصره، يراه في جميع جهاته، يتعامل معه، ويتفاعل معه بكل ما يمكن للحس أن يتفاعل مع الحقيقة، هذا هو الذي يعبر عنه بمصطلح الروايات على ما يظهر من بعضها، بمقام عال من الأنبياء، مقام الرسول الذي يسمع الصوت، ويرى الشخص أيضاً.

ويمكن أن نفترض أن هناك ألوانًا أخرى من الحس، تدعم هذا الحس السمعي والبصري عند هذا الإنسان العظيم؛ فهو يحس بالحقيقة المعطاة، من الله تعالى، من جميع جوانبها. يحس بها بكل ما أوتي من أدوات الحس بالنسبة إليه، هذه هي الدرجة العالية من الحس وقابلية الاتصال مع العلم الإلهي.

وأخرى يفترض أنه يحس بها من بعض جوانبها، وهو الذي عبر عنه بأنه يسمع الصوت، ولا يرى الشخص، هذا إحساس؛ إلا أنه إحساس ناقص. وقد يفترض أنه أقل من ذلك، وهو الذي عبِّر عنه في بعض الروايات بأنه يرى الرؤيا في المنام؛ هنا يرى هذه الرؤيا المنامية، وهي طبعًا تختلف عن الرؤيات في اليقظة، من حيث درجة الوضوح؛ فهنا فارق كيفي بين الحس والرؤيا المنامية في عالم اليقظة والانتباه الكامل. "

المفتاح السابع: درجات الحس:

هذا الفارق الكيفي بين الحس والرؤيا المنامية في عالم اليقظة والانتباه الكامل.. يرجعه السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - لاختلاف وتفاوت «درجات الحس» فالسيد الشهيد الصدر يرى بأن "هناك درجات من الحس، وعلى وفق هذه الدرجات، وُضعت مصطلحات «الرسول» و«النبي» و«المحدث» و«الإمام»،

ونحو ذلك من المصطلحات، وإن الذي يمثل أعلى هذه الدرجات هو «الوحي» المتمثل في ملك يتفاعل معه النبي تفاعلًا حسيًّا، من جميع جوانبه، كما كان يعيش سيد المرسلين - ﷺ - مع جبرائيل - - هنا رسول الله - ﷺ - يعيش الحقيقة الإلهية عيشًا حسيًّا، من جميع جوانبها. يعيشها كما نعيش نحن على مستوى حسِّنا، ووجود رفيقنا وصديقنا، لكن مع فارق بين هذين الحسَّين، بدرجة الفارق بين المحسوسين. "

المفتاح الثامن: دور الحس في تربية النبي - ﷺ:

هذا الحس [وفقًا لما تقدّم، يعتبر في نظر الشهيد الصدر] هو الذي استطاع أن يربي شخص النبي - ﷺ - وأُعد لكي يكون الممثل الأول، والرائد الأول، لخط هذه القيم والمثل والأهداف الكبيرة.

يعني: هذا الحس قام بدور التربية للنبي - ﷺ -؛ لأنه استنزل القيم والمثل، والأهداف، والاعتبارات العظيمة، من مستواها الغائم المبهم، من مستواها الغامض العقلي، من مستوى النظريات العمومية، فأعطاها معالم الحس، التي لا ينفعل الإنسان - كما قلنا - بقدر ما ينفعل بها، وبهذا تصبح الصورة المحسوسة التي هبطت على النبي - ﷺ - على أي نبي من الأنبياء ملء وجوده، ملء روحه، ملء كيانه. تصبح همه الشاغل في ليله ونهاره؛ لأنها أمامه يراها يحسها.. يلمسها ويشّمها، بأروع مما نلمس ونشم ونسمع ونبصر. "

نتيجتان مهمتان:

النتيجة المهمة الأولى: حول «تربية النبي - ﷺ -»

مما تقدّم يخرج السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - بهذه النتيجة قائلًا:

"ثم إن هذا الشخص الذي استطاع أن يربيه الحس القائم على الوحي، يصبح هو حسًا مربيًا للآخرين.

فالآخرين من أبناء البشرية الذين لم تتح لهم الظروف، ظروفهم وملابساتهم، وعناية الله، أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحس؛ الذي لم يتح لهم هذا الشرف العظيم، سوف يتاح لهم الحس، لكن بالشكل غير المباشر، حس بالحس، لا حس بالحقيقة الإلهية مباشرة، حس بالمرآة الحقيقية الإلهية، انعكست على هذه الحقيقة الإلهية، يعني: المعطى الإلهي - الثقافة الإلهية - انعكست على هذه المرآة والآخرون يحسون بهذه المرآة بينما النبي - ﷺ - نفسه كان يحس مباشرة بتلك الثقافة الإلهية،

بما هي أمر حسي، لا بما هي أمر نظري، أما نحن نحس محمدًا - ﷺ - بما هو رجل عظيم، بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشرية أن هناك اعتبارًا وهدفًا، فوق كل المصالح والاعتبارات، فوق كل الأنانيات، فوق كل الأمجاد المزيفة، والكرامات المحدودة، أن هناك إنسان لا ينقطع نفسه، إذا كان دائمًا يسير على خط رسالة الله، سبحانه وتعالى، هذا المضمون الذي للإنسان أن يدركه عقلياً،

هذا المضمون الذي حشّد «أرسطو» و«أفلاطون» مئات الكتب بالبرهنة العقلية عليه على إمكانية الاستمرار اللامتناهي من اللامتناهي، هذا المعنى أصبح لدى البشرية أمرًا محسوسًا، خرج من نطاق أوراق «أرسطو» و«أفلاطون»؛ التي لم تستطع أن تصنع شيئًا، والتي لم تستطع أن تفتح قلب إنسان على الصلة بهذا اللامتناهي، وأصبحت أمرًا حسيًّا، يعيش مع تاريخ الناس؛ لكي يكون هذا الأمر المحسوس هو التعبير القوي دائماً، عن تلك القيم والمثل، وهو المربي للبشرية على أساس تلك القيم والمثل. "

النتيجة المهمة الثانية:

«المربي الأول للبشرية»: إلى هنا يصل السيد الشهيد الصدر - قدِّس سره - إلى النتيجة المهمة الثانية؛ «موضوع بحثنا» فيقول: ”فالوحي بحسب الحقيقة إذن؛ هو «المربي الأول للبشرية»؛ الذي لم يكن بالإمكان للبشرية أن تربى بدونه؛ لأن البشرية، بدون الوحي، ليس لديها إلا حس بالمادة، وما على المادة من ماديات، وإلا إدراك عقلي غائم، قد يصل إلى مستوى الإيمان بالقيم والمثل وبالله؛ إلاّ أنه إيمان عقلي، على أي حال، لا يهز قلب هذا الإنسان، ولا يدخل إلى ضميره، ولا يسمع كل وجوده، ولا يتفاعل مع كل مشاعره وعواطفه.“

إلى يقول السيد الشهيد الصدر: "فكان لابد من أن يستنزل ذلك العقل على مستوى الحس، لا بد أن تستنزل تلك المعقولات على مستوى الحس، وحيث أن هذا ليس بالإمكان أن يعمل مع كل الناس؛ لأن كل إنسان مهيأ لهذا، ولهذا استصفي لهذه العملية أناس معينون، أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحس القائد الرائد، هذا الحس، ربّاهم هم أولاً، وبالذات، ثم خلق وجودًا حسيًّا ثانويًا، هذا الوجود الحسي الثانوي كان هو «المربي للبشرية.»!

والخلاصة: [كما يقول السيد الشهيد الصدر] ”لئن بقيت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات عقلية محضة؛ فهي سوف تكون قلية الفهم، ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان وكلما أمكن تمثيلها حسيًّا؛ أصبحت أقوى، وأصبحت أكثر قدرة على الجذب والدفع.“

نتائج البحث:

1 - عرفنا، من خلال البحث، أن المربي الأول البشرية هو «الوحي»هذا أولًا.

2 - وعرفنا، ثانيًا، أنّ الرسول الأكرم محمد - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين - قد تربى على يد هذا المربي الأول للبشرية فكان صلوات الله وسلامه عليه - بين قوسين:

«حسًّا مربيًا»، وكان - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين - ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ 3 إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ 4 عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ 5 ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ 6 وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ 7 ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ 8 فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ 9 فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ 10 سورة النجم.

3 - وثالثًا: عرفنا، من خلال البحث، كذلك، أن الطريقة المفضلة لتربية الأطفال؛ هي التربية الحسيّة؛ التي تعتمد على الحس، وتحويل المفاهيم والمعقولات إلى محسوسات. وغير ذلك.

السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ...

يا سَيِّدَنا يا رَسُولَ اللهِ، صَلَواتُ الله عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ بَيْتِكَ الطَّاهِرينَ، هذا يَومُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمُكَ، وَأَنا فِيهِ ضَيْفُكَ وَجارُكَ، فَأَضِفْنِي وَأَجِرْنِي، فَإِنَّكَ كَرِيمٌ تُحِبُّ الضِّيافَةَ، وَمأْمُورٌ بِالإِجارَةِ، فَأَضِفْنِي وَأَحْسِنْ ضِيافَتِي، وَأَجِرْنا وَأَحْسِنْ إِجارَتَنا، بِمَنْزِلَةِ اللهِ عِنْدَك، وَعِنْدَ آلِ بَيْتِكَ، وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ، وَبِما اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ، فَإِنَّهُ أَكْرَمُ الأَكْرَمِينَ".

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك وعلى مولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق .

اللهم صَلِّ على محمد وآل محمد وعجّل فرجهم، والعن عدوهم. كل عام وأنتم بخير.

أسألكم الدعاء أحبتي.

ملاحظة:

يمكن للقارئ العزيز مطالعة كتاب السيد الشهيد الصدر «أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف» للوقوف على تلك القاعدة ومفاتيحها، مع بقية مصادر البحث التي أشرنا لها ضمنًا.