آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما فيه إلا العافية

محمد معتوق الحسين *

في بداية حياته، لاحظت على أحد أبنائي ضعفاً في مهارات التواصل. فرغم أنه كان قد تجاوز الثالثة من عمره، إلا أنه لم يكن أحياناً قادراً على التعبير عما يريد، أو التجاوب مع من حوله. لم يكن يجيب على أسئلة سهل من قبيل: ”هل أنت جائع؟“. تجاهلت الموضوع، لأنني لم أُرد أن «أفاول» على ولدي. إلا أن الحالة كانت واضحة جداً، ما دعى إحدى القريبات إلى مصارحتنا بمخاوفها أن ولدي ربما يحتاج إلى مساعدة. أخذته إلى مركز متخصص، لأصدم بنتيجة التشخيص. بالفعل، كانت مخاوف قريبتي في محلها.

بعد أيام، علم زملائي في الشركة بما جرى، فكانوا - بدافع التعاطف - يسألون عن ولدي وعن آخر التطورات، وكنت أجيبهم بصراحة عن البرامج العديدة التي أشركته بها وكيف أنه أظهر تحسناً مستمراً. ولكن لاحظت أمراً أدهشني كثيراً!

أولادنا بخير..

الكثير من زملائي الذين سألوني عن ولدي، صارحوني بأن بعض أبنائهم لديهم أعراضاً مشابهة. لكن العجيب هو أن - في أكثر الحالات - أحد الوالدَين كان يعيش حالة إنكار شديد، ويرفض أن يفحص ابنه أو أن يعترف بوجود ما يثير القلق، فيبقى الولد يعاني من تلك الصعوبات لسنوات دون تدخل أو علاج. إحدى الأمهات صارحتني أنها تأخذ ولدها لفحصه سرّاً دون علم والده لأنه كان سيرفض لو علم بنية ذهابها للمستشفى.

تعجبت كثيراً من حالة الإنكار هذه، وزاد تعجبي عندما تناقشت حول هذا الموضوع مع صديقي «علي العامر» والذي عَمِل في محلٍّ لبيع الألعاب التعليمية. قال لي علي أن بعض الأطفال الذين يزورون المحل رفقة والديهم يكون واضحاً أن عندهم صعوبات وظروف مختلفة، لكن الآباء ينكرون. على سبيل المثال، ذات يوم، دخل المحل رجل وزوجته يريدان أن يشتريان ألعاباً لولدهما. وعندما استفسر عليًّ عن اهتمامات الطفل وطباعه - لكي يقترح عليهما الألعاب المناسبة - استشف من إجاباتهما أن الولد مصاب بفرط الحركة، ولكن أيّ من الوالدين لم يصرح بذلك. وعندما ابتعد الأب قليلاً ليتفرج على بعض الألعاب، همست الوالدة لعليّ قائلة: ”تريد أن تعرف إن كان ولدي مصاباُ بفرط الحركة، أليس كذلك؟ نعم، ظنك في محله، لكن والده يرفض الإعتراف بذلك.“

علمت حينها أننا قد نمارس الإنكار «عدم الاعتراف بالحقائق»، ونحن لا ندري أننا نخطئ في حق أعز الناس لدينا.

ماذا عن السرطان؟

لكن حالة إنكار الظروف الصحية لا تقتصر على مشاكل التعلم والتواصل لدى الصغار، فالغريب أنها منتشرة أيضاً عند من لديهم أعراض أمراض خطيرة كالسرطان. فعلى سبيل المثال، نسبة كبيرة من حالات سرطان الثدي - وهو أكثر أنواع السرطان انتشاراً بين النساء - يتم اكتشافها في مراحل متقدمة رغم أن المريضة تكون قد شكَّت في الأمر منذ زمن، لكن ما منعها هو.. الإنكار!

حول هذه النقطة، ذكرت لي الزميلة «مريم المعلم» قصصاً مؤثرة وعجيبة جداً. فبحكم عملها السابق في جمعية السرطان السعودية لعدة سنوات، شاركت مريم في العديد من حملات التوعية بسرطان الثدي. خلال تلك الحملات، يقوم فريق التوعية بإجراء فحص اختياري سريع للزائرات، وهناك حدثت المفاجآت! حالات إصابة عدة تم اكتشافها خلال ذلك الفحص، بعضها حالات متقدمة جداً «أو ما يسمى بالمرحلة الرابعة». صحيح أن بعض هذه الحالات لم يتم اكتشافه مسبقاً بسبب قلة الوعي، إلا أن بعضها تم تجاهله عمداً من قبل المصابة رغم شكها الكبير بالإصابة منذ مدة طويلة.

تحدثت مريم بحسرة عن بعض الحالات التي عايشتها شخصياً. قالت لي حكاية الشابة التي تعمدت إخفاء إصابتها - بضغط من أهلها - لكي لا تؤثر على فُرص أخواتها الأُخريات بالزواج، وعن المرأة التي أخفت إصابتها عن زوجها لكي لا يتزوج أخرى، وعن السيدة التي تجاهلت نتيجة الفحص عمداً، ثم ذهبت تبحث في التمائم والخرافات عما يعيد لها عافيتها.

لماذا الإنكار؟!

هنا أتساءل: لماذا الإنكار؟ لماذا يتجاهل البعض أعراضاً واضحة تدل على احتمال وجود مشكلة صحية عندهم أو عند أحبائهم؟ لماذا تمر سنوات طوال قبل أن يكتشف والدان أن ابنهما مصاب بالتوحد أو بفرط الحركة أو بصعوبات التعلم؟ لماذا تتجاهل شابة أعراض ورم يتزايد يوماً بعد يوم في صدرها دون أن تحرك ساكناً؟ لماذا نحدّق بالأعراض تتزايد أمام أعيننا كل يوم، دون أن نبادر إلى حل المشكلة؟

لكن الحقيقة هي أن «الاعتراف بالأمر الواقع» هو أول الخطوات نحو الحل. يقول الدكتور «فيليب ماجرو» المتخصص بعلم النفس: ”لا يمكنك تغيير ما لا تعترف بوجوده“. بالفعل، إذا أردنا تغيير واقع يؤرقنا، لابد أن نعترف به، لأن ادعاء أنه غير موجود لن يجعله يختفي. بل كلما أهملناه تفاقم وكَبُر. فالاعتراف بالمشكلة، يؤدي إلى التدخل المبكر، وهو ما يمكِّن من حسر أخطار معظم الأمراض، ويزيد من فرص النجاة والعلاج.

فأنت لن تجد مختصاً بالتوحد أو صعوبات التعلم لا يشدد على ضرورة التدخل المبكر وأثره الكبير في القويم السلوكي والتحسن الإدراكي للأطفال. وبحسب موقع مركز «شركاء في التميز» المعنيّ بعلاج التوحد، فإن نسبة الأطفال الذي يستفيدون استفادة قصوى من العلاج تزيد عن 70% عند من هم دون الخمس سنوات، بينما لا تتجاوز 35% عند من بلغوا الثامنة من العمر. أما بالنسبة لسرطان الثدي، فإن منظمة أبحاث السرطان البريطانية نشرت إحصائية تقول أن نسبة نجاة المصابات اللواتي اكتشفن المرض في مرحلته الأولى تتجاوز 85%، وتنخفض بشكل كبير في مراحل المرض المتقدمة.

خطيئة الإنكار

نحن بشر، وأحياناً نُبتلى في صحتنا لحكمة يعلمها الله. لا أدعو للوسواس والشك والقلق المفرط، لكن علينا إذا وجدنا بعض الأعراض المريبة، ألا ننكرها ونتعمد تجاهلها. فمن يدري، لعل وراءها بلاء يجدر بنا المبادرة لعلاجه قبل أن يستحكم. فالإنكار، هو خطيئة بحقنا وحق صغارنا وجميع من نحب.

كبر ولدي الآن، وتجاوز تلك الصعوبات، بفضل الله ثم برامج التدخل المبكر. ولا أدري كيف سيكون حاله الآن لو أنني تجاهلت حالته قبل سنين، وقلت: ”ما فيه إلا العافية“.