آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 6:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المطر.. ومدن الطين

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

التغير الحاد في أحوال الطقس حاليا، ومستقبلا.. سيجعل حال كثير من المناطق المتناثرة في وسط الصحارى، ينفرد بغرقها مطر منهمر، وسنقف جميعا عاجزين عن إنقاذها أو دخولها.. فالمناخ العالمي يتبدل ويغير من طبيعته بأسرع بكثير مما كان متوقعا، ويحمل معه سنويا مفاجآت من الواضح أن القليل منا مستعد لها، وأكثرنا سيقف أمامها مسلوبا وعاجزا.

وهذه قصة أخرى تختلف عن قصص ديوان المراقبة والمحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد، في ملاحقتهم للفاسدين الماضين والبقية الباقية منهم.. في جميع الدوائر الحكومية ذات الصلة، وهي مهمة ليست بيسيرة ولا سهلة بتاتا.

وتختلف أيضا عن ”فساد الجهل“ وهو أن تكون المجتمعات ضحية لمديري بلديات مصابين بالجهل مع الصدق في نياتهم، والإخلاص في أعمالهم، والنزاهة فيما تطوله أيديهم.. فيأتي فساد النتائج من أكثر الرجال إخلاصا لوطنه ومجتمعه، فقط لأنه جاهل فيما يقرر، وجاهل بجودة ما ينفذ، وجاهل فيما يختار.. لأن الجاهل يفسد بعمله وإن ابتغى صلاحا وأخلص فيه نية وقصدا. فساد الجاهل هو فساد يتصف دائما بسلامة النية وبعظيم الضرر معا.

ولكن مدن الطين، هي كل المناطق التي افترضت لنفسها فرضية المطر الشحيح، الذي يأتي متباعدا ولمما، وقصيرة جدا زيارته، وقصير جدا بقاؤه!

قد يفاجأ الجميع بتحول المطر إلى ”مقيم“ وإلى زائر يعشق المكان، ويحبه.. ويتردد في كل الفصول على أهله، دون انقطاع.. إلا بما تفرضه صبارة القيظ وشدة توهج شمسه وستكون أقل مع مرور الأيام.

الخبراء يتوقعون صيفا بالغ القسوة، وشتاء أطول، وغزير المطر، كما يتوقع كثير منهم تبدلات سيخضر بعدها كثير من الصحاري في العالم، وستجدب كثير من الغابات في أماكن أخرى.. ويقولون إن اللون الأخضر سيكون الصفة الأبرز فوق الربع الخالي الآن.. وأن أنهارا غزيرة ستجد السبيل على رملها الجاف اليوم. وأن هذا التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها.. ولكنه سيلتمس السبيل والطريق إليه بخطوات متسارعة.. لتغيير واقع ما هو قائم، وهذا ليس بدعا من فعل الطبيعة ومتغيراتها.. ولكنها هي السنة القائمة.. في تدبيرها، وتبديلها طبائع المكان، وصفات الأوطان، فتسلب من هذا خصوبة ألفها حد قلة شكر المنعم عليه بها، وتعطي ذاك عوضا عن جدب أصاب العصب والعظم من أبدان أجداده.

لا يجدي بعد اليوم.. الاعتذار لأحد، بأن المطر هذا كان أكرم ما اعتدنا عليه، أو هو كريم أكبر من قدرتنا على حمل عطاياه، أو أنه كان أقام بأطول من المألوف لإقامته. لأن المطر يغير من عاداته دائما وإن بناء المدن النائية في وسط الصحراء سيجعلها محاصرة، ووحيدة في مواجهة نوع من أنواع المطر القاتل لمدن الطين.. وهي كل مدينة بنيت من طين، أو هي عاجزة من الخلاص من مائه الغمير الغزير.

لا بد من افتراض ”المطر الغزير“ والدائم.. والقوي.. قبل الترخيص لكثير من القرى النائية المنفردة، فقد منح هذا المطر الكريم كثيرا من أوسمة الشرف لمديرين سابقين في مدن كثيرة.. لعل أولها الجبيل الصناعية، وكثير غيرها.. ولكن في المقابل.. أذاب جدران الطين في أماكن كثيرة أخرى.

في نهاية الأمر يجب أن نعيد تأهيل المدن كافة لتكون قادرة على إدارة نفسها مع مطر يأتي بأكثر بكثير مما كنا نألفه، ومما كنا فيما مضى معتادين عليه.