آخر تحديث: 16 / 10 / 2019م - 10:31 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أمهٌ خلوج

درسنا الجغرافيا في السنوات الابتدائية من مراحلِ الدراسة وكنتُ بحاجة إلى ذاكرةٍ قوية لحفظ حدود الدول وطبيعتها الجغرافية العامة ومناخها ومصادر دخلها والاماكن السياحية وشيءٍ عن نظامها الديني والسياسي وكل التفاصيل العامة عنها.

كان صعباً عليَّ حفظ تلك المعلومات التي كانت تحتاج إما إلى خيالٍ وذاكرة قوية أو زيارة لكل بلدٍ والثاني لم يكن متيسراً، لقلة ذات اليد، وحتى عندما زرنا الكويت في سيارة أحد الاصدقاء في الصغر لم نستطع استئجار غرفةٍ في فندق بل نمنا على شاطئ البحر وكنت امازح الاصدقاء وقتها بقول نمنا في الشيراتون ”غرفة رقم صفر“ حيث أيقظنا الهنودُ باكراً لتنظيف الشاطىء ولم تكن هناك أيٌّ من الخدماتِ الفندقية. وعندما زرنا البحرين لم نذهب بالطائرة بل عن طريق اللنش بريالات بسيطة ومخاطرة البحر نوعاً ما.

كان عدم المعرفة بالجغرافيا خطيئة وبالطبع يؤدي إلى الرسوب في المادة ويضطرك إلى إعادة السنة الدراسية، إن لم تجتازَ الامتحان، فعلى سبيل المثال، صديقي رضا، سأله مدرسُ المادة في الصف الرابع عما يُصدِّرهُ ميناء الدمام، على ما أتذكر، فكان جوابه التتن. انفجر الطلاب بالضحك، ليس لأن كلهم يعرف الجواب، ولكنهم استلطفوا كلمة ”التتن“ بدلاً من التبغ. بقي رضا في نفس الصف.

من العجب الآن وقد عرفنا كلَّ التفاصيل عن تلك الجغرافيا هو بالفعل الخطيئةُ الكبرى وليسَ العكس! كيف؟

الآن، لا نعرف فقط التفاصيل الكبرى بل التفاصيلَ الصغرى وأسماءَ القرى الصغيرة والأنهار والوديان وقمَمَ الجبالِ والمناطق الغير مأهولة والتنوع العرقي والمذهبي والديني ومن هو على مذهبنا ومن ليس كذلك، ليس لأننا زرناها أو أقمنا فيها مشاريع تنموية أو استثماراً سياحياً او تبادلنا الثقافة والفن أو أيًّا مما يمكن أن يكون مفيداً للإنسان.

عرفنا تلك القرى لأن الإرهاب والدمار والخراب استباحَ كل التفاصيل، حتى الأماكن البكر والتي الدولةُ نفسها لم تضطر لمعرفتها والعناية بها. أصبحنا نسمع بإسم قريةٍ ما أو مدينةٍ ما كل يوم حتى اعتدنا عليها وصرنا نظنها القرية أو المدينة المجاورة، فليس بعيداً عن هذا ما قاله عليٌّ قبل قرون ”يا أشباه الرجالِ ولا رجال، ويا أحلامَ الأطفالِ وعقول ربات الحجال وددتُ أن الله قد أخرجني من بين ظهرانيكم وقبضني إلى رحمته من بينكم. والله لوددت أني لم أركم، ولم أعرفكم. معرفةٌ والله جرّت نَدَمَا“.

هل هذا ما وُعدنا به من أن العالمَ سوف يصبح قريةً صغيرة؟ من يدري...

في قصص العرب أن بدوياً أصابت ناقتُهُ إبنَه الوحيد فقتلته فانتقم منها بقتل ولدها الأول فأصبحت خلوجاً تبكي وتبحث عنهُ حتى ذهب شحمها ثم لقحت مرَّةً أخرى وولدت وفعل البدوي بها الفعلَ ذاته وهكذا فعل ثلاثَ مرات وفي آخرِ مرة ذبح حوارَها وشقَّ بطنها فوجد كبدها قد ذابت من الحزن.

هل تستطيع أن تساعدني بالإجابة عن السؤال التالي: كم من أمٍّ خلوجٍ أوبدون كبدٍ في العالم العربي؟

حقائق كتبناها بالدماء وأيادٍ تلعبُ بعقلنا ونحنُ غافلون...

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أسوار البقيع
[ الدمام ]: 23 / 10 / 2017م - 6:52 م
مقال رااااائع
مستشار أعلى هندسة بترول