آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 1:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

باسل السوري و«روضة» بئر العبد!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

قبل خمس سنوات غادر الطفل السوري باسل الرشدان، مدينته درعا التي كانت تواجه انتفاضة وأحداث عنفٍ نحو مخيمات اللجوء في الأردن. وقبل عامين فقط توفرت له الفرصة للسفر مع أسرته إلى مقاطعة برنس إدوارد إيلان الكندية، هناك تغير مسيره ومصيره.

في عامين تغيرت حياة الطفل باسل. تحوّل من طفل مشرد إلى رمز لكل أطفال العالم حين اختارته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» ممثلاً عن الأطفال الذين يمرون بظروف صعبة يحرمون فيها من الحماية، واستقبلته في مقرها بنيويورك بمناسبة اليوم العالمي للطفل، الذي يصادف 20 نوفمبر «تشرين الثاني» من كل عام. ومن هناك وجه باسل من على منبر المنظمة الدولية كلمة للعالم، قال فيها: «نحن أطفال العالم ومستقبل هذا العالم، وعلى الجميع أن يسمع صوتنا». وفيما بعد تلقى اتصالاً على الهواء من رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، يعبر فيها عن اعتزازه بهذا الطفل الذي أصبح فخراً لكندا... والعالم!

حسناً، ماذا لو بقي الطفل باسل في مخيمات اللجوء في الأردن، أو ساقته الظروف إلى لبنان أو تركيا أو أي بقعة من العالم؟، ماذا لو فرض عليه أن يتربى في بيئة مشحونة بالخوف والجوع والمرض وانعدام التعليم والصحة، وتفشي الأوبئة، وطغيان عصابات التوظيف الديني والسياسي؟

ماذا لو وقع فريسة التنظيمات المسلحة التي تفتك كالسرطان بالنازحين لتجندهم في معاركها وحروبها التي لا تنتهي؟ ماذا لو فرض عليه أن يترعرع في أحزمة البؤس والهامشيات، أو تضطره الظروف أن يجلس طفلاً تحت رحمة مشايخ يصيغون فكره خوفاً وحقداً وكراهية تجاه العالم؟

ما الذي تغيّر في عامين؟... حتى تحول الطفل المشرّد الفقير الذي ساقته الظروف نحو مخيمات اللجوء البائسة، إلى أن يصبح رمزاً عالمياً، وتفتخر به كندا. ما حدث لهذا الطفل، وأمثاله مهم جداً. لأنه يوضح لنا: كيف يتحول الإنسان، وكيف يتأثر، كيف يحدث التغيير نحو الأحسن أو الأسوأ؟، ربما يمكننا أن نعرف كيف يتحول الناس العاديون إلى متوحشين وقتلة.

الجمعة الماضي صُدم العالم بمجزرة مسجد الروضة في بئر العبد بمصر. هول الصدمة لا ينبغي أن ينسينا التفكير في هؤلاء القتلة، كيف تحولوا من أطفال ثم شباب عاديين إلى متوحشين يقتلون المصلين في مساجدهم.

بوضوح: إنها «الثقافة» القائمة على الكراهية؛ هي التي حوّلت أُناساً طبيعيين كانوا قبل اعتناقها بارين بأهلهم، ثم تحولوا بعدها إلى ذئاب بشرية، بعضهم قتل أمه وأباه في شهر رمضان «كما في قصص معروفة»، وبعضهم قتل مصلين في مساجد الجمعة وفي الكنائس، كما قتل الأبرياء في الشوارع.

هذه الثقافة القائمة على آيديولوجيا دينية متطرفة، وخطاب دوغمائي، لا علاقة لها بالفقر أو الغنى، بالحرية أو الاستبداد، يمكنها أن تنتشر في مخيمات اللجوء، أو على شواطئ فلوريدا الأميركية؛ هناك قبل ثلاثة أعوام تمكنت التنظيمات المتطرفة من تجنيد الشاب منير محمد أبو صالحة، المتحدرة أسرته من أصول فلسطينية، الذي بات يعرف باسم «أبو هريرة الأميركي» ليفجر نفسه في مدينة حلب السورية، ومثله مئات الشباب والشابات من أميركا وأوروبا خصوصاً، الذين أغواهم أبشع تنظيم إرهابي عرفته البشرية، وتركوا بلدانهم التي كانت تضمن لهم العدالة الاجتماعية، والفرص المتساوية، والرفاه الاقتصادي، والديمقراطية.

هذه الثقافة أصبحت مكشوفة اليوم، وعارية، هي منبع الكراهية والحقد والتوحش. لقد نجا طفلٌ منها فأصبح رمزاً للعالم، وسقط في براثنها آخرون...!