آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في معنى نصرة رسول الإسلام

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

على المستوى المعياري كل فعل وممارسة ثقافية ومعرفية، هي تساهم في تظهير المكنون والجوهر الإنساني للإنسان سواء أكان فردا أم جماعة أم أمة.. لهذا فإن الممارسة الثقافية بكل مناشطها وآليات عملها، تتجه بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ترقية الإنسان وتهذيب سلوكه ومعالجة بعض نزعاته عبر ضبطها أو تنظيمها أو إحاطتها بسياج أخلاقي، بحيث لا تخدش الجوهر الإنساني للإنسان..

وفي المقابل فإن كل جهد وفعل وممارسة إنسانية، لا تتوجه إلى تظهير هذا الجوهر الإنساني، هي ممارسة ليست ثقافية ومعرفية، حتى لو تجلببت بالغطاء الثقافي والمعرفي..

فالفعل الثقافي الذي يؤسس للحقد والضغائن والإساءة المعنوية والمادية للإنسان الآخر المختلف والمغاير، هو فعل لا ينسجم وجوهر الممارسة الثقافية التي تتجه دوما صوب ترقية الإنسان أخلاقا وسلوكا..
أسوق هذه الفكرة في سياق صياغة وجهة نظر مختلفة تجاه ما ساد العالم الإسلامي من أعمال وأنشطة في إطار الدفاع عن رسول الإسلام ﷺ ونصرته تجاه ذلك الفيلم المسيء والمشين بالاعتبارات الأخلاقية والدينية والإسلامية..

ولكي تتضح هذه الرؤية بشكل لا لبس فيها أسوقها في إطار النقاط التالية:
1 - لا شك أن منظومتنا العقدية والفكرية والأخلاقية، تقدس الحرية وتعتبرها من لوازم الوجود الإنساني السليم.. وهي مرتكز للكثير من التشريعات والأحكام الشرعية.. فالإنسان الفاقد للحرية بصرف النظر عن سبب الفقد، لا يتم التعامل معه دينيا وأخلاقيا، كما يتم التعامل مع القابض على حريته، والقادر على ممارسة هذه الحرية في مختلف قضاياه وشؤونه..

بل جاء الدين الإسلامي ليعبر عن هذه الحقيقة، حينما نفى صفة الإكراه عن هذا الدين إذ قال تعالى «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، وحصر مهمة الأنبياء والرسل في الدعوة والتبليغ والنصيحة، وحذر من كل شكل من أشكال السيطرة والهيمنة.. إذ قال تعالى «اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى»..
وفي آيات قرآنية أخرى، توضح أن عاقبة اختيارات الإنسان، لا يعاقب عليها الباري عز وجل في الدنيا وإنما في الآخرة..

إذ قال تعالى «ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين»..
فالله سبحانه وتعالى وعبر تشريعاته الربانية، أعطى للإنسان الحرية، وطالبه أن يمارس حياته وفق هدى هذه القيمة، ولكن ربطها بشكل كامل بقيمة أخرى ألا وهي «المسؤولية» فأنت حر بقدر مسؤوليتك.. فلا حرية بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا حرية..

فالحرية المسيجة بسياج المسؤولية الذاتية، هي جوهر الدين الإسلامي.. لهذا فإننا مع حرية الإنسان، ولكن تلك الحرية التي تمارس في نطاق المسؤولية.. وانطلاقا من هذه الحقيقة، نحن نقول: إننا وانطلاقا من فهمنا العميق للحرية الإنسانية، ندافع عن مقدساتنا وننصر رسولنا الكريم، وندعو الآخرين بالوسائل المشروعة إلى احترامه وصون مقدسات الأمم والشعوب الأخرى..
والحرية الإنسانية لا تشرع لأي طرف أن يتعدى على حرية ومقدسات الآخرين.. فنحن مع أن يمارس الإنسان حريته، ولكن ليس من الحرية في شيء أن يتعدى الإنسان باسم الحرية على حرية الآخرين ومقدساتهم.. وهذا يقتضي القول: إننا مع الحرية وضد الإساءة إلى مقدسات الآخرين..

2 - من حقنا جميعا كمسلمين أن ندافع عن رسول الإسلام ﷺ، ونرفع الظلم والحيف الذي تعرض إليه رسولنا الكريم ﷺ.. ولكن في سياق الدفاع عن الرسول ﷺ ومقدساتنا، ليس من حقنا التعدي على حقوق الناس المعنوية والمادية.. فليس صحيحاً سواء من الناحية الشرعية أو الأخلاقية أو الإنسانية ونحن ندافع عن رسول الإسلام ﷺ، أن نحرق الممتلكات العامة أو نمارس القتل بحق الآخرين أو نتعدى على حقوق المختلفين معنا دينيا سواء أكانت هذه الحقوق مادية أم معنوية..
ومن هذا المنطلق فإننا نرى أن الكثير من الممارسات التي مورست باسم الغيرة على رسول الإسلام ﷺ ونصرته ورفض التهم المشينة التي حاول الفيلم المشين أن يلصقها في رسول الإسلام، إننا نرى في هذه الممارسات تعدياً آخر على قيم الإسلام وتوجيهات الرسول الكريم ﷺ..

وبمقدار ما ندين ونرفض أي شكل من الأشكال المسيئة لمقدساتنا ونبينا الكريم، بذات القدر نرفض أن تجرنا غيرتنا على مقدساتنا إلى ارتكاب الموبقات والمحرمات باسم الدفاع ونصرة الرسول ﷺ.. فنحن من حقنا أن نغضب ونعبر عن غضبنا تجاه هذه الإساءات والأعمال المشينة بحق مقدساتنا، ولكن ليس من حقنا ومن منظور ديننا وتوجيهات نبينا أن نتعدى على الممتلكات العامة أو القيام بقتل أبرياء لا ناقة لهم في الأمر ولا جمل..
3 - إن الإساءات المتكررة التي يتعرض إليها رسولنا الكريم ﷺ، تحملنا مسؤولية العمل وفق آليات ومنهجيات علمية - دقيقة لتظهير قيم الإسلام على حقيقتها وإبراز مناقبيات الرسول ﷺ، ونقد بعض الأساطير الثاوية في مدونات التاريخ التي قد تسيء إلى رسولنا الكريم..

فإصلاح حاضرنا وبناء صدقيتنا كمسلمين معرفياً وأخلاقياً، هو أحد الأعمال المهمة التي ندافع فيها عن مقدساتنا ووجودنا الإنساني والحضاري..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».