آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وأد الطائفية باللياقة السياسية

محمد العباس * صحيفة اليوم

المواطن ليس أقل تجاهلا لقضاياه من الآخرين. وعلى ما يبدو، هو ليس أكثر حرصاً منها على إثبات حسن مواطنيته وتحقيقها في أكمل صورة. والشواهد على ذلك كثيرة. فهناك المتسيّب في أداء وظيفته. والهازئ بكل ما يصدر من قوانين. وكذلك المخالف لأي شكل من أشكال النظام. حتى الفساد الذي يكثُر الحديث عنه ما هو إلا انعكاس لرذيلة غش الناس لبعضهم البعض.

كل ذلك لا يعني تبرئة الجهات المعنية من التقصير، وعدم لحاقها بمتطلبات العصر. فهذا هو دورها في سن القوانين الواضحة والمتوائمة مع مستوجبات اللحظة وحمايتها بصرامة. ولكن الحديث هنا حول تخلي المواطن عن دوره في تأسيس قاعدة حياتية مشتركة، تعويلاً على القرارات، التي قد تأتي متأخرة، ومليئة بالفجوات، التي يمكن الالتفاف عليها.

فقضية السعودة - مثلاً - استمهل المواطن الدولة سنوات طويلة بانتظار أن تضطلع بمهمة اصدار لوائح توائم هواه، بدون أن يفكر ولو للحظة بإمكانية المبادرة بحملة «سعودة شعبية» تنهض على الإحساس بالوطنية، بل تم التحايل على خطط «السعودة الحكومية» بألاعيب معروفة ومكشوفة.

واليوم، يكثر الحديث عن الحاجة إلى سن قوانين تجرّم الطائفية وتحد من غلواء العنصرية. وذلك لتخفيف حدة موجات الكراهية المتصاعدة. وهي قوانين ستصدر حتماً، ولو بعد حين. ولكن، إلى أن يحين ذلك الحين، يُلاحظ استشراء موجة الشتائم، واستمراء فكرة التأثيم والتخوين، ليس بأصوات من يُصطلح على تسميتهم بالعوام وحسب، بل من قِبل أسماء ذات سمعة فكرية ومكانة روحية. حيث يتم تهشيم رموز مختلف الجماعات بعنف لفظي مخجل، كما تتعرض مجمل المعتقدات لسخرية متبادلة بدون أي رادع، وكأن المجتمع قد قرر أن يمارس هيجانه العنصري قبل أن تباغته الحكومة بقرارات مُلزمة تلجم سعاره الشتائمي.

أما شعارات «لا للطائفية» المتفشّية بكثرة، فليست سوى قشرة لستر عورات العداوات الشرسة المنبعثة للأسف من دور العبادة، ومنابر الإعلام بشقيه: الجديد والتقليدي، وفضاءات التواصل الاجتماعي، وكأنها تعزّز بقاء الثقافات المحافظة بكل أشكالها المؤسساتية، التي تتغذى على التفرقة والاحتراب. وعليه، فإن استجداء الحكومة للتعجيل بإصدار قوانين تجريم الطائفية والعنصرية، يستلزم في المقام الأول أن يقدم كل فرد رصيده العملي على أرض الواقع، وسجله الشاهد على لا طائفيته. وعندها لن تتجاهل الحكومة هذه الروح المواطنية. فأجمل القوانين هي تلك التي لا تصدر لتأديب المواطن، بل ما يتم إقرارها للتنمية والارتقاء بالإنسان والوطن.

إن الدول المتحضرة لم تتمكن من استصدار قوانينها ضد العنصرية والطائفية نتيجة احتدام الصراع بين فئات المجتمع وحسب. ولكن من خلال وجود مجتمع حي يناضل من أجل اكتساب ذلك الحق، أيضاً. ويضغط بممارساته، لا بشعاراته على صانع القرار السياسي. فالتاريخ يتحدث عن المفاعيل الاجتماعية ومنظومات التحرّر كتيارات النسوية والجماعات المدافعة عن الأقليات والحركات الحقوقية، التي صارعت بجدية وبسالة وحبٍ، من أجل تطهير الفضاء الثقافي والسياسي من الكراهيات. وهو الأمر الذي أنتج مدرسة «اللياقة السياسية» Political Correctness التي أصبحت فيما بعد معياراً حقوقياً، يتم بموجبها تجريم كل من يلمّح إلى نعرة طائفية أو عرقية أو إثنية.

والذي لا جدال فيه أن مفاهيم اللياقة السياسية لا تشكل طارئاً ثقافياً علينا، فهي من صميم الأديان ومنظومة القيم، بما هي مكتسب إنساني أصلاً. ومن الممكن قوننتها وفرض مبادئها بقرار حكومي ضابط للانفلاتات. إلا أنها في المدى المنظور مسؤولية المواطن الراغب في تأكيد مواطنيته، والاشتراك مع «الآخر» بكل أطيافه في وطن خالٍ من الكراهية. فهذا هو الكفيل بتقويض البنية الفكرية القائمة على التعصب والاستئثار والإقصاء. وهو المحك لاختبار شعارات «لا للطائفية» التي باتت تُستخدم ببلاغة وإفراط مجاني للاستهلاك الجماهيري.

ناقد وكاتب