آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

حماية هيبة القضاء

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

ماذا يحدث لو أن أحدنا استدعته محكمة للمثول أمامها في قضية من القضايا؛ فتجاهل الاستدعاء..؟ سيأتيه استدعاء آخر، ثم استدعاء ثالث إن لم يستجب. وبعدها تبدأ إجراءات إحضاره بقوة البحث الجنائي. وبعد مثوله؛ سيعود إلى منزله ما لم تكن القضية مما يوجب التوقيف. وفي الجلسة المقبلة بإمكانه تكرار ما فعله بتجاهل الاستدعاء، ثم تدور الدائرة البيروقراطية من جديد..!

هذه الدوائر الإجرائية لها تأثير مباشر في تكلفة النظر في القضايا. فهناك مندوب محكمة يكرر إيصال الاستدعاءات، وهناك مخاطبات بين المحكمة والشرطة، وهناك رجال بحث جنائيّ يلاحقون المستدعى. وهذا كله يكلّف مالاً ووقتاً على المحكمة نفسها، وعلى أطراف التقاضي.

والأهم من التكلفة المادية؛ هناك التكلفة المعنوية الباهظة. هذه التكلفة تُدفع فاتورتها من هيبة القضاء واحترامه وموقعه من المجتمع. ومن المؤكد أنها تكلفة لا يمكن تعويض خسارتها العميقة. والدليل هو استمرار التهاون بالاستدعاءات القضائية، ووصول كثير من الإجراءات إلى مذكرات “ضبط وإحضار” البحث الجنائي الذي عليه أن يتفرّغ للبحث عن المجرمين، لا المطلوب مثولهم أمام المحاكم.

في غالبية الدول؛ يُعتبر عدم الامتثال إلى استدعاء المحكمة جريمة توصف بـ “الاستهانة بالقضاء”، أو “ازدراء القضاء”. وبعض الدول تُعد ذلك جنحة. وكلتاهما لها عقوبة قانونية غايتها النهائية هي حماية القضاء من المتهاونين. فما لم يمثل المستدعى أمام المحكمة للنظر في قضية؛ فإن معنى ذلك هو المشاركة في عدم تمكين القاضي من أداء دوره، وبالتالي تتعطل القضية، أو يتأخر حسمها.

القضاء في بلادنا يواجه كثيراً من التحديات والمؤاخذات والانتقادات. وقد يكون ذلك وجيهاً، ولكن الأوجه أن تُحمى هيبته أولاً من مشكلات المتقاضين أنفسهم.

لا يمكن لمؤسسة قضائية أن تؤدي دورها أداءً طبيعياً حين ينصرف جزء كبير من جهدها في حلّ مشكلة حضور الخصوم.