آخر تحديث: 3 / 8 / 2020م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

الجامعة وصناعة العقل العلمي

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

النهضة العلمية الراهنة لمجتمعنا تتصف بظاهرة التصاعد المتفاقم للتعليم الجامعي حيث اضحى الطريق الى الجامعة بعد الثانوية العامة منفذا لا اخر له، واصبحت الجامعة بيت التعليم الثاني لمعظم خريجي التعليم العام.

بعيدا عن الامال في شهادة جامعية ووظيفة واعدة، يطرح سؤال مهم عن الوظيفة الحقيقية للجامعة وما مواصفات المنتج الجامعي. لا اظن ان احدا يحبذ ان يعج هذا المجتمع بحملة شهادات لا تنتمي للتخصص العلمي الا العنوان ولا تنتج من تخصصها الا العبارات الطنانة. في العلاقة بين المنتج الجامعي ومواصفاته علاقة جدلية قد تكون متعاكسة في تزايد المنتج وهبوط المواصفات العلمية او ايجابية في تصاعد البيئة العلمية المتمثلة بنمو العقل العلمي.

العقل العلمي هو نتاج التحصيل الاكاديمي والذي يتميز بالقدرة على التحليل والاهم القابلية العالية على انتاج الافكار او تطويرها.

ان المشهد الحضاري للعالم هو نتاج الافكار. ان الفكرة المبدعة ثمنها القدرة على الحضور ودورها في تغيير الواقع بإزاحته. كل اداة تقنية او منهج في حياتنا هو نتاج افكار بدلت وجه العالم. والمستقبل بانتظار افكار لا نريد ان نكون متخلفين عن انتاجها.

وغني عن الذكر ما لفكرة الفيسبوك والجوجل او فكرة تقنية الهواتف الذكية من اثر في تغيير واقع الحياة. ان الممارسات التي تقف معيقة لتطور العقل العلمي في البيئة الجامعية تتربع على جانبين مهمين، في جانب ان تتعزز استهلاكية المعلومة بغرض الحصول على ورقة تثبت ان حاملها اجتاز الاستهلاك وأصبح مؤهلا لحمل لقب علمي وعلى جانب اخر ان يتفاقم الشعور لدى الجامعيين بالحق الحتمي للحصول على ألقاب علمية دون ان يمكن التحصيل العلمي تأسيس مباني العقل العلمي.

لا عجب ان يكون مصاحبا لظاهرة الاستهلاك الاكاديمي تصاعد سلوك العجرفة والصلف والادعاء. ان لا تكون معايير في اهم اساساتها القدرة على انتاج عقل علمي خلاق وان لا تصحب المهنية باعراف يمكن ان يطلق عليها العرف المهني.

ان العجرفة والصلف نتاج طبيعي لمن يرى ان الشهادة نهاية التعليم بينما التواضع والسكينة مثال العقل العلمي اللاهث وراء الابداع. اذا ما استمر هذا التفاقم في تصاعد المنتج الجامعي دون نمو العقل العلمي فان النتيجة الطبيعية لجامعاتنا بقاء ابوابها مفتحة على مصراعيها لمزيد من الاستيراد للافكار التي لا تحصل عليها الا بثمن هبوط اعتبارها الاكاديمي.

ان العقل العلمي معيار لثراء المنتج الجامعي ونعمة تعم المجتمع في تحرره من الدونية والتبعية الفكرية وتغذية مستمرة لا تنضب لجامعاتنا. كما هي غاية جليلة للجامعة ان تصبح انعكاسا للابداع العلمي للمجتمع ومعيارا للعقل العلمي السائد فيه كذلك الجامعة انعكاس عبر ما تنتج لقدرتها على زرع الاخلاق الفاضلة لطالب العلم وحامله.