آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عُقد البحوث الاجتماعية

حبيب محمود * صحيفة الشرق السعودية

لدى الدكتور علي الورديّ منطق شرقيٌّ فيما يمكن أن يؤدّيه علم الاجتماع الحديث في المجتمعات العربية. ومع أنه من الروّاد العرب في هذا العلم ومن المطّلعين على نظريات علم الاجتماع وتطبيقاته الحديثة؛ فإنه كان يُدرك أن تطبيقاته الميدانية في المجتمع العربيّ تواجه عراقيل ثقافية معقدة.

وهذا يعني أن الجهود البحثية الميدانية يمكن أن تقدم معطيات غير دقيقة، وبالتالي توصيات بعيدة عن واقع المجتمع، أو احتياجاته.

في أمريكا ـ مثلاً ـ بإمكان الباحث الاجتماعي أن يطرق أبواب الغرباء ليسألهم عمّا يريد، ثم يعود بحصيلة ميدانية وفيرة من المعلومات والآراء التي تحمل مؤشرات ميدانية في قضية ما. لكن المجتمع الشرقيَّ لا يحمل تفهماً مماثلاً أو قريباً من تفهم المجتمع الغربيّ. وأفراده لا يثقون في الباحثين الغرباء، ولا المعروفين، حين يتصل الأمر بمعلومات أو إحصاءات أو بحوث ذات صلة باهتماماتهم وقضاياهم الحساسة.

المجتمع الشرقيُّ لا يجيب عن الأسئلة. حتى في محيطه الضيّق يحمل روحاً مرتابة متهيّبة محاطة بعُقدة الصورة التي يمكن أن يحصل عليها الآخر عنه. وهذا الآخر قد يكون جاراً أو قريباً.. وغالباً ما يكون عدواً وهمياً أو حقيقياً. لذلك يضع المعلومة في موقع مؤمّن بحماية متحفظة على كلّ شيء. وهذا يعني أن البحوث والدراسات الاجتماعية لدينا تتطلّب القفز على هذه المعضلة الأساسية.

وهذا عين ما فعله الورديّ بعدما وجد تلاميذه في جامعة بغداد يعودون من القرى والمدن بمعطيات ميدانية خديجة لا يمكن أن تقدم استنتاجات علمية دقيقة. قفز الورديّ على ذلك بقراءات اجتماعية ناقدة للمجتمع العربيّ، وتبنّى مشروعاً فكرياً اجتماعياً تغلغل في عمق التفكير العربيّ، ففتح، بذلك، أفاقاً واقعية للباحثين المثقلين بالمناهج الغربية التي لا يمكن تطبيقها في العالم العربي بالأساليب ذاتها.