آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معوقات المجتمع المدني «2 - 2»

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

سياق تشكل وتبلور المجتمع المدني بمؤسساته ومنظماته الاجتماعية والمهنية والسياسية الحديثة في دول الغرب وأوربا على وجه التحديد، اقترن تاريخيا ومنذ منتصف القرن السابع عشر، بنشوء عصر النهضة ثم حركة التنوير، والذي تواكب مع صعود البرجوازية الفتية بقواها وعلاقاتها الإنتاجية الثورية، المرتبطة بتطور علمي وصناعي وتكنولوجي غير مسبوق، مترافقا مع تصدر قيم العقلانية والحداثة والعلمانية، حيث ما لبثت البرجوازية أن دخلت في صدام مصيري مع كل من سلطتي الإقطاع والكنيسة، مما أدى إلى اندلاع الثورات التي اجتاحت أوروبا، والقارة الأمريكية الجديدة، وأبرزها الثورة الإنجليزية «1688م» والثورة الفرنسية «1789م» والثورة الأمريكية «1776م»، وهو ما أفضى في الأخير إلى القضاء على سلطتي الإقطاع والكنيسة في الآن معا، وعلى أنقاضهما تشكل ما بات يعرف في علم الاجتماع السياسي بالدولة /الأمة المستندة إلى العلاقات الأفقية «بين طبقات اجتماعية» الحديثة، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن اختلاف الجذور الاجتماعية والهويات الإثنية والدينية والمذهبية.

وفي المقابل كانت ولادة المجتمع المدني في جل بلدان العالم الثالث ومن بينها البلدان العربية عسيرة ومشوهة، وهذا يعود إلى عدة عوامل، من بينها تخلف البنى الاجتماعية/ الاقتصادية/ الثقافية، وتصدر الهويات والولاءات الفرعية التي ألقت بظلالها على طبيعة ومحتوى تلك التشكيلات الجنينية، كما لا يمكن إغفال هيمنة علاقة التبعية لجل تلك البلدان بنظام السيطرة الاستعمارية/ الإمبريالية، التي عملت على تأبيد التخلف وأحكام هيمنتها السياسية والاقتصادية، وأخيرا نشير إلى دور النظم الحاكمة التي ظلت تحتكر وتتحكم في المفاصل الأساسية للسلطة والثروة والقوة وعملت على مصادرة الدولة والمجتمع المدني في الآن معا.

يتعين هنا إيضاح بأن مؤسسات المجتمع المدني في الواقع ليست في صداما أو خصومة مع الدولة، بل تتكامل موضوعيا معها، وتكون رافدا ومعينا لها، في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية المحدقة كافة، من خلال العمل على تثبيت وترسيخ الوحدة الوطنية والمجتمعية، كما تكون داعما ومشاركا، في عمليتي التنمية المستدامة والإصلاح الشامل. وهي إذ تتمايز عن مؤسسات المجتمع الأهلي من جهة، وعن المجتمع السياسي من جهة أخرى، إلا أن ذلك لا يعني ولا يتطلب على الإطلاق وجود تناقض أو صراع تناحري ومحتدم وينعدم فيه التعايش والحوار السلمي بينهما.

لذا ينبغي العمل على تبديد الالتباس، وتجاوز حالة الشكوك المتبادلة إن وجدت، والعمل على صياغة رؤية ومشروع إصلاحي حقيقي وشامل يطال شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينطلق من الإقرار بقاعدة ومشروعية التنوع والاختلاف، واحترام الهويات والمكونات الاجتماعية والمذهبية والثقافية المتعددة، والقبول بتعدد قراءات الواقع، والتعايش والقبول بالآخر المختلف، عبر تأكيد وترسيخ قيم التسامح والتعددية، وهو ما يتطلب إطلاق الفعل الثقافي والتنوير والعقلانية كرافعة لمؤسسات المجتمع المدني المرتبطة ببيئتها التاريخية والثقافية والمجتمعية.