آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معصية.. على باب الجنة..

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

روح تماثل الحلم براءة، وعينان كجمال الليل، وحياة محملة بكل أمانيها، وبكل أحلامها الصغيرة، ورجاءاتها المتواضعة الجميلة.. تطويها ''عاملة منزلية''! فعل كما هو فعل إبليس على صخرة المنحر لحظة مقتل هابيل! على وضاعة الغاية، وعلى خساسة الدافع، وببرودة يد الشيطان حين يٌزهق روح طفلة.. تماثل روح الملائكة الطاهرين!

هذا أنا أشارككم اليقين.. أن طفلتنا المغدورة العزيزة الآن.. قد جللت روحها الطاهرة فردوس السعادة الأبدية، وحياة الخلد الرغد، تطل على أبويها بجناحي الرحمة، والرأفة والشفقة للحزن الممضي، وللفقد الموجع، ترف حولهما، تشفق عليهما وعندما يسقط الحجاب بينها وبينهما.. تتدفق عليهما الرحمة العظمى بالشفاعة المقبولة عند الرحمن الرحيم. حينئذ يٌقال لها: أيتها الروح الطاهرة.. ادخلي الجنة سلام عليك من الله في كل حين..! فتقول شافعة مقبولة الشفاعة: لا أدخل حتى يدخل أبواي!

ذاك الفردوس الخالد.. تختلف فيه مشاعرنا، وتتبدل فيه صورنا، وتتغير حين ذاك الأسماء والصفات والمنازل والدرجات.. فصبرا جميلا وبالله المستعان.. على شناعة الجناية وبشاعة الجرم، لكي لا يسقط عظيم المثوبة ولا جزيل الأجر بمعارضة الرضا لله بالقضاء والقدر الغالب.

ولعلي بعد هذا كله.. أبصرُ معصية على باب الجنة التي أوت إليها ابنتنا الصغيرة.. حاملة فرحها الخالد، وأجنحة من نور رحمة الله عليها. تلك معصية ''التعميم'' بما يشبه التحريض على ''الخدم والمقيمين''. من بعض الذين جزعت مشاعرهم جزعا، أخرجهم عن العدل في حكم ''فردية الجناية'' وفردية العقوبة! ''لا تزر وازرة وزر أخرى'' و''معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده.. إنا إذا لظالمون''.

أبصرُ تحريضا على المقيمين كافة، متأبطا شرا بهم جميعا، وبالخدم بعمومهم، وبجنسية فاعلة الجريمة بشكل أخص! وهذا ضرب من أضرب التجني البغيض، والظلم الشنيع! وأحسبُ أن من طالب ''بطب نفسي'' للخدم لجناية واحدة من مليون امرأة من جنسيات شتى يعملن في الخدمة المنزلية! ما عساه يقول في ''أبوة الاغتصاب الجنسي''! وما عساه يقول في قضايا العنف الأسري وقصصها المروعة! وأحداثها المروعة! وجميع هذه الجرائم من مواطنين.. تجاه طفولة بريئة.. أو أمومة عاجزة مقيدة بالضعف وقلة الحيلة!

انفعال المطالبات بالطرد! ورسائل التسفير المفاجئ عبر الوت ساب! والتناصح بجعل كل ــــ عاملة منزلية ـــ من جنسية هذه الجانية مشروع ــــ قاتل ـــ! هو تعدي على الحقوق، وظلم بغيض غير مبرر للعباد. وحالة رعب عاطفي انفلت عن التوازن والسيطرة والتعقل!

إن ''المقيمين'' معنا، وفي بيوتنا، ومؤسساتنا، ومصانعنا، بشر مثلنا، لا نتفاضل عليهم، ولسنا بأفضل منهم، منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، منهم السابق علينا بالخير وطهر الباطن، ومنهم من في قلبه أرطال من الغل الأسود.. هو الغل الأسود ذاته الذي يجعل بعضنا يتحول إلى قنابل بشرية لا تنفجر بالضرورة بعيدا عنا.. بل تنفجر في حاضرنا وبالقرب من بيوتنا ولعب أطفالنا.. وتستهدف رموزنا الوطنية!

إن تفاصيل بعض الجرائم.. المروعة من مواطنين.. تجاه مواطنين.. لم تجعلنا نتوقف لنطالب ''بمنظومة'' حماية عاجلة، ولا بخطة طوارئ، لكوننا جميعا نعتبرها ـــ عابرة ــــ ونحسبها فردية. ولا نتصور اتصاف غير الفاعل بها.. ولا نتصور وجود المرض النفسي ذاته ولا البيئة المنتجة لها ذاتها حين عذب أب ابنته الصغيرة وقيدها في هجير الصيف فوق سطح المنزل وتلذذ بحرق أجزاء واسعة من جسدها بالنار حتى فاضت روحها الطاهرة.. ألما بحجم جبال مكة. وهي لم تكمل عامها الثامن بعد! صدم فعله الجميع.. ولكن ظلت جريمة معلقة على كتف صاحبها فقط حتى تم تنفيذ حكم الله فيه وفي زوجته المساعدة له في كل التفاصيل المستمتعة بالنشوة بها وبتفاصيلها.. لكونها من طليقته لا منها.

هل هي عنصرية غامضة؟ هل يتم إثارة إعصار من الكراهية والتحريض من خلال توظيف مشاعر التعاطف مع ملاك طاهر تم قتله بطريقة بشعة؟! هل نجعل جريمة العاملة المنزلية سببا في تهيئة المناخ النفسي للوقوع في أخطاء كبيرة جدا لا يمكن حصرها؟ حين يغيب عنا التذكر لتفاصيل الأسباب والشحن النفسي والتعبئة العاطفية السلبية تجاه كل مقيم يمشي على أرضنا، سنكتشف أننا كنا نازيين سعوديين تجاه المقيمين دون أن نشعر!

أيها المقيمون جميعا!

هذه روح الطاهرة البتول ترفرف كفراشات الجنة.. تقول لكم جميعا.. اغفروا لنا جميعا.. إن جرحت مشاعركم كلمة منفعلة عاطفيا، أو متشنجة في سوء الظن.. أو متعالية بمس من عنصرية، متوارية في المفردات والمعاني.. اغفروا هذا كله! وتجاوزا عنه.. إننا خُلقنا من نفس واحدة.. خلق منها زوجها ذكرا وأنثى! وأنكم حبات جمر الليالي الباردة.. في مشاريع الكهرباء.. وسواعد القطاف في حقول التنمية الخصيب.. فأنتم منا ونحن منكم.. ومن تلبسه الشيطان برجس وعذاب.. فتلك نفس أبعدها الله عن رحمته حدا يرتديها الشيطان بنحر طفلة نائمة تحلم بجنات النعيم وتحلم بحنان صدر أمها الغامر لا قرّب الله تلك النفس ولا قرّب جوارها!