آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإعدامات في العراق.. الدروس المستفادة

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن السعودية

من الغرابة بمكان أن تطفو على السطح قضية الإعدامات في العراق وكأنها سابقة جديدة. حكايات الإعدام في العراق لها تاريخ طويل وبشع منذ حكم عبدالسلام عارف، وعبدالكريم قاسم، وصدام حسين، إنني أتساءل: لماذا تثار هذه القضية الآن لدى بعض السياسيين؟ هل هم حريصون على كرامة الإنسان؟ أم أنهم يريدون التفاعل على طريقتهم باليوم العالمي لمناهضة الإعدام، والذي احتفل به المجتمع الدولي الأربعاء الماضي؟ الإجابة معروفة ولا داعي للإفاضة فيها، فمحترفو السياسة في العالم يدركون تماماً أن الانتقائية ليست موضوعاً للنقاش في المعارك السياسية، بل هي جزء لا يتجزأ من طبيعتها، فهي تثار عادة للشحن الإعلامي، ولكنها لا تُثار إطلاقا في حيثيات الصراع. بالطبع ليس هذا جوهر مقالي، ولكن أجدها إشارة مهمة عند التعاطي مع القضايا الحقوقية، فبين الحقوق والسياسة خيط رفيع جداً أرفع من أسلاك التنجستن.

الإعدامات الحالية في العراق تصدت لها منذ سنوات منظمات حقوقية غير حكومية فبعد توقف عقوبة الإعدام لمدة سنة تقريباً بعد غزو العراق بأمر من «بريمر» الأميركي عادت مرة أخرى بعد تنصيب مجلس الحكم في 2004 ونسبة الإعدامات حسب التقارير الحقوقية منذ ذلك الوقت تصل إلى 1200 شخص، والسنتان الأخيرتان أعدم فيهما 68 شخصا في 2011، و70 شخصا في النصف الأول لهذه السنة.

هذه الأعداد هي أعداد رسمية معلنة، ولكن العدد الواقعي غير واضح، حيث هناك مئات المحكومين ينتظرون نهايتهم، الاعتراض على الإعدام لا يأتي انطلاقاً من مواقف سياسية من السلطة في العراق أو تضامناً مع التوجه السياسي للمتهمين، ولكن استناداً إلى معطيات حقوقية، أهمها أن المحاكمات التي تمت لا تلبي الحدود الدنيا من شروط المحاكمة العادلة، بل تستند إلى اعترافات تم انتزاعها تحت التعذيب. المنظمات الدولية تُقر في تقاريرها أن عقوبة الإعدام رادع غير فعال في بلد يموج بالمفجرين الانتحاريين، وغيرهم من الأشخاص المستعدين للتضحية بأرواحهم، ولذلك تأتي المطالبة بإيقاف العمل بالإعدام على الصعيد العالمي، حيث خلصت أحدث الدراسات البحثية حول العلاقة بين عقوبة الإعدام ومعدلات القتل إلى أنه: «... ليس من الحكمة القبول بالنظرية القائلة إن عقوبة الإعدام وتطبيقها يردعان عن ارتكاب جرائم القتل بقدر أكبر من التهديد بعقوبة السجن المؤبد». فأميركا مثلاً تُعد الدولة الصناعية الوحيدة التي تنفذ حكم الإعدام، حيث تُشير التقارير إلى أنها خلال الثلاثة عقود الماضية أطلقت سراح أكثر من 200 سجين بعد ظهور براءتهم وقد أمضوا سنوات عديدة بانتظار حكم الإعدام أو الحكم المؤبد، هذا في أميركا المعروفة بقضائها ومحققيها، فكيف الحال بالعراق وبقية الدول العربية والاسلامية! فإلى حد اليوم 140 دولة فقط أوقفت العمل بقوانين الإعدام.

التوجه العالمي لإلغاء العقوبة يعود لسببين: أولاً: أن الحق في الحياة لا يجب أن يُعطى إلى سلطة أرضية، بمعنى أن الخالق هو وحده الذي يأخذ الأرواح والبشر تُعطى لهم سلطة المحاكمات والسجن فقط، ثانياً: أن الإعدام مختلف عليه وليس له علاقة بالدين - حسب وجهة نظر المنظمات الدولية - فكثير من الدول تشرع عقوبة الإعدام وأديانها مختلفة تماماً.

قانون الإعدام يتفق مع ديننا الإسلامي تحت عنوان القصاص «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»، وهذا الأمر يعد استثناء وذلك لتوفير الحق العام المجتمعي، والحق الخاص لضحايا المجني عليه، كما أمر الشارع الكريم.

الدول التي تفرض عقوبة الإعدام دون تشريع قطعي محدد وواضح يجب عليها إعادة النظر، وعدم التوسع في الجرائم التي عقوبتها الإعدام، وتقليصها ما أمكن، وذلك بالالتزام بمدونة السلوك الدولية، بحيث أن نطاقها لا يتعدى أخطر الجرائم التي تسفر عن نتائج مميتة، وتأمين محاكمة عادلة ونزيهة.