آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

فيزا.. من الآنسة ليزا!

حسن السبع صحيفة اليوم

للفنان شاربل روحانا أغنية عنوانها «الحمد لله» تبدأ بالزغاريد تعبيرا عن الفرح بعد أن تحقق حلم العمر لمواطن لبناني فحصل على «فيزا» لدخول أمريكا. وفيها يقول: «حمد الله أخذتْ الفيزا/ ختمتْ لي إياها ليزا/ عرفتني بالعلامةْ.. وقدّمت إلها السّي في». والسّي في: «c v» اختصار ل «curriculum vitae» أي السيرة الذاتية.

وهي أغنية تعبر عن الواقع اليومي بأسلوب غاية في البساطة والمباشرة التي لا تفقد النص جماله.

المهم أنه عندما وصل إلى أمريكا الحلم، ولأنه عربي، ومع أنه ليس إرهابيا، فقد أمطره موظف الهجرة بوابل من الأسئلة. ولم يقتصر الأمر على الأسئلة، بل تم تفتيشه وتعريته كما تقول كلمات الأغنية التي تنتهي بقرار ذلك المواطن بالعودة إلى لبنان: «بلا فيزا من ليزا. خلينا في لبنان/ العيشة لذيذه/ أحلى من وين مكان»!

لكن يبدو أن العبارة الأخيرة شبيهة بالحلم، حيث يتمنى ذلك المواطن أن يكون مسقط رأسه فعلا أحلى من أي مكان في العالم. وقد لفت انتباهي تعليق على «اليوتيوب» وباللهجة الدارجة يقول: «بلا لبنان.. بلا صنعتك.. خلينا في أمريكا وفي ليزا.. كهربا في لبنان ما عندك»!

قد تكون مع قرار ذلك المواطن بالعودة إلى أرض الوطن، لكنك، وفي الوقت نفسه، قد تلتمس العذر لكاتب ذلك التعليق. هنالك أشياء كثيرة غير الكهرباء تجعل تلك الرقعة الجميلة الساحرة الممتدة من الماء إلى الماء، أو بتعبير الشاعر صخر البارودى، «من الشام لتطوان» تبدو حيّزا جغرافيا طاردا، فهنالك تخلّف وظروف معيشية صعبة، وعنف، وفوضى سياسية، وعدم شعور بالأمان، لذلك تبدو الجهات الأخرى جاذبة وواعدة بحياة أفضل. نعم، رقعة جميلة ساحرة وزاخرة بطبيعتها الخلابة، وأنهارها وبحارها، وغاباتها وصحاريها، وثرواتها وآثارها، وتنوع ثقافاتها؛ رقعة جغرافية ثرية وقادرة على التكامل الاقتصادي والثقافي.

فما الذي يضطر الفرد إلى انتظار أن تجود عليه الآنسة ليزا بتأشيرة، كي يفر بجلده بحثا عن الغربة والمنفى، وقد يلقى حتفه وهو في الطريق إليهما؟.

يهاجر البسطاء والفقراء بحثا عن فرص أفضل لتحسين وضعهم المعيشي، أو فرارا من الفوضى. وتهاجر العقول المبدعة بحثا عن مناخ أكثر حرية وانفتاحا، وكما وقف ذلك المهاجر اللبناني أمام موظف الهجرة وقرر العودة، وقف المنشق السوفييتي فاسيلي أكسيونوف الموقف نفسه لكنه لم يقرر العودة، بل تحدث عن مفارقة موغلة في الغرابة فقال: «في مطار جون كيندي بنيويورك واجهنا طوابير طويلة عند موظفي الجوازات، وعددا لا يحصى من الحقائب، وحشودا من الناس من كل بقاع العالم، مع التأكيد على العالم الثالث» أما المفارقة فهو ذلك الاختلاف الجذري بين الاتحاد السوفييتي «السابق» وأمريكا، فقد كان الأول يمنع الناس بعنف من عبور حدود الوطن، وهو شكل من أشكال الإقامة الجبرية. «في حين أن الدولة الثانية تحاول محاولة واهنة منع أولئك الذي يدفعون طريقهم تحت سماء مأواها»!

ويمكن تلخيص حالة المهاجر العربي الذي عبرت عنه الأغنية بعبارة لأكسيونوف نفسه حيث يقول: «الهجرة أشبه ما تكون بالذهاب إلى جنازتك بنفسك، وإن كان الاختلاف الوحيد بينهما أن جهازك العصبي يهدأ بعد الجنازة»! فهل يهدأ ذلك الجهاز العصبي في المهجر؟ ذلك يعتمد على الظروف الخاصة بالمهاجر نفسه.