آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قصة أخرى من أميركا…!

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

توفيت قبل يومين ليندا براون، رمز مكافحة الفصل العنصري في المدارس الأميركية، عن عمر ناهز 76 عاماً، وهي واحدة من الحلقات البارزة في الكفاح المرير ضد التمييز العنصري في الولايات المتحدة، ولعلها من أكثر التجارب إلهاماً في هذا الطريق.

بدأت قصة ليندا براون في أوائل الخمسينات 1950 عندما حاول والدها أوليفر براون تسجيلها في مدرسة بيضاء بالكامل بالقرب من منزل العائلة في توبيكا، بولاية كانساس، ولكن المدرسة رفضت انضمامها وطلبت تسجيلها في مدرسة مخصصة للسود تبعد عن محل إقامتها، هنا تصدرت براون الجهد القانوني التاريخي وخاضت مع عائلتها، وانضم إليهم آخرون، معركة حامية ضد مجلس التعليم في توبيكا، وفي 17 مايو «أيار» 1954، حكمت المحكمة العليا بالإجماع على أن الفصل العنصري في نظام التعليم غير دستوري.

فتحت فصول المحاكمة السجال القانوني: هل الحق في التعليم والمساواة يتعارض مع كوّن التعليم يقوم على الفصل العنصري؟ في البدء قالت المحكمة إن مرافق التعليم «منفصلة ولكن متساوية»، أي أن الفصل لا يتعارض مع مبدأ المساواة، حتى قررت قضية براون وبعد معركة طويلة، وبقرار رئيس المحكمة العليا أن: «مرافق التعليم المنفصلة غير متساوية بطبيعتها»، وقالت أيضاً إن هذا النمط التعليمي القائم على تمييز الناس على أساس عنصري ينتهك شرط الحماية المتساوية كما ينص عليه الدستور، ونُقل عن رئيس المحكمة القول: «إن فصل الأطفال في المدارس على أسس عنصرية يولِّد شعوراً بالدونية قد يؤثر على وضعهم في المجتمع وعلى قلوبهم وعقولهم بطريقة يصعب التراجع عنها».

كان قرار المحكمة الأميركية العليا بشأن قضية براون ضد مجلس التعليم في 1954 لحظة أساسية في الحركة لإنهاء الممارسات التمييزية واسعة النطاق ضد السود في الولايات المتحدة. نجحت هذه الفتاة في الفوز ببيئة تعليمية آمنة وعادلة ولا تتصف بالظلم... مصدر الإلهام في قصة ليندا براون أن التغيير يمكن أن يصنعه ويقوده أفراد عاديون، وأن تفكيك حلقات التمييز يبدأ حلقة حلقة، حتى يفقد قوته الجائرة.

نتذكر أيضاً الشابة السوداء روزا باركس التي أطلقت شرارة مكافحة التمييز العنصري حين رفضت التخلي عن مقعدها في حافلة عمومية لشخص أبيض؟ لقد أدت بسالة هذه الطالبة إلى خروج الصامتين عن صمتهم والصراخ ب «كفى» في وجه سياسة التمييز المجحفة، ونشطت حركات الحقوق المدنية، التي قاد واحدة منها القس مارتن لوثر كينغ صاحب نداء «لديّ حلم» الشهير، إلى أن أسفرت في النهاية عن صدور قانون الحريات المدنية عام 1964 الذي يحرّم التمييز على أساس العرق في أميركا.

مثل ليندا براون وروزا باركس اللتين ساهمتا فعلياً في تحطيم جدار الكراهية وإسقاط التمييز العنصري وساهمتا في بناء مستقبل أكثر تسامحاً وعدالة واحتراماً للقانون... مثلهما هناك الملايين الذين لا يشعرون بقدرتهم على العمل، ولا بإرادتهم في صنع التغيير، ولا حتى - ربما - بحقهم في العدالة والمساواة، ودائماً ينتظرون الفرسان لكي يصنعوا لهم مستقبلهم الذي يحلمون به... التغيير يصنعه الفرد المؤمن بإنسانيته وكرامته واحترامه لذاته، وحقه في العدالة والمساواة.