آخر تحديث: 3 / 8 / 2020م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

المجد للشغالات

محمد العباس * صحيفة اليوم

أن تذهب الأم إلى مدرسة ابنتها لتسأل عنها مسألةً عادية بل ضرورية. ولكن ألاّ تعرف إسم المدرسة، ولا مرحلتها الدراسية، ولا أيّ معلومة تتعلق بمكانها أو شكلها، فتلك حكاية جديرة بالتأمل. هذا ما حدث لأُمٍ خرجت من بيتها باتجاه أول مبنى صادفته بالجوار لتسأل بمنتهى البرود والسذاجة عن فلذة كبدها. حتى عندما سُئلت عن لون مريول ابنتها لم تكن على دراية به، فهي غير معنية أصلاً بهذه التفاصيل التي أوكلت مهمتها لخادمتها. إلى أن تبيّن للمدرِّسات بعد وابل من الإستفهامات أن ابنتها لا تدرس في هذه المدرسة أصلاً. أمّا الأب فلم يكن متغيّباً عن البيت وحسب، بل خارج التغطية والخدمة.

هذه الحكاية ليست من محض الخيال، بل واقعة حقيقية، تصطف إلى جانبها حكايات يصعب تصديقها، عن مجتمع آخِذٍ في الإهتراء بسبب إيكاله كلّ شؤون حياته للغرباء. والمقام هنا ليس لرثاء معنى الأمومة الضائع، والتحسُّر على مكانة الأسرة، لأن صفّارات الإنذار لاسترداد منظومة القيم الإجتماعية المهدورة، ما زالت تدوّي بدون انقطاع منذ أول تباشير الطفرة النفطية، على شكل كتابات ودراسات واستغاثات وأمراض واضحة للعيان. ولا أحد يريد أن يوقف التدهور الحاصل، أو ربما ليس بمقدور أحد أن يقف في وجه هذا الإعصار الناعم المتمثل في خادمات المنازل الذي يقتلع قيمنا من جذورها.

وكل ما يمكن عمله بالنسبة لكاتب هو رسم صورة كاريكاتورية لهذا الصنف من النساء. صورة واضحة وأمينة للمرأة التي لا تتعامل مع الخادمة كحَلٍ لمشكلة حتّمتها الظروف المتغيّرة للمجتمع، ولكن كاكسسوار مكمّل لشخصيتها. المرأة المخدوعة بفائض الحياة العصرية، التي تحاول بها خداعنا، لعلّها تغادر مرايا الزينة المُضلِّلة، وتقف ولو لمرة واحدة أمام المرآة الجارحة المنصوبة قُبالتها، لتعرف كم هي موهومة بالصورة المزيفة التي تحاول استعارتها وبناء مداركها في وعينا. وكم هي مكشوفة ومزدراة، وهي تقدِّم نفسها كنموذج للمرأة المتحضرة الآخذة بأسباب الذوق والرقي.

كلنا نعرف أن البيت المُرتب الأنيق، قد يدلُّ على وجود سيِّدة مُخمليةٍ راقية تدير شؤونه. وقد يكون بالفعل دليلاً على لمسات امرأة أتقنت أصول الاتيكيت. ولكن في الغالب وراء كل ذلك النظام خادمة منضبطة تجيد مهمتها، وتعي مهماتها تماماً في تجميل البيت وإبقائه على الدوام في حالة أنيقة. فهي المسؤولة عن كل شيء تقريباً. هذا ما يمكن استنتاجه عند فحص حال معظم البيوت الفارهة في السعودية. فرَبّة البيت لم ترَ ثلاجة منزلها من الداخل، ولا تعرف عدد أحذيتها، وبالتأكيد تجهل مقاسات ملابس أولادها وبناتها.

إنها امرأة مشغولةٌ بذاتها، بزينتها، بالتحدّث تليفونياً مع صديقاتها حول آخر مبتكرات وطِرازات الموضة، وتصفُّح المجلات المكتظة بأخبار نجوم السينما. ولذلك لا تجد الوقت لتوديع بناتها وأبنائها وهم يغادرون إلى مدارسهم. امرأة لا تستيقظ إلا على همسات خادمتها المرتعدة «مدام.. مدام» إيذاناً بالذهاب إلى المول أو الكوافير. امرأة مسكونة بكمٍ هائلٍ من الأمراض النفسية والجسدية بسبب خمولها الذي صار هويتها وعنوانها. فقد نسيت تنهّدات الشوق، ولم يعد ينبعث منها إلا التأفّف، وآهات وجع المفاصل المتأتية من كثرة الضغط على أزرار الريموت كنترول.

تلك هي الصورة المقرّبة لامرأة تحولت إلى كائن افتراضي بعد أن أوكلت إلى خادمتها أن تعيش الحياة الواقعية عِوضاً عنها، بمعنى أنها قررت ألاّ تكون امرأة. أو ربما استطابت أن تتحول إلى شيءٍ آليٍّ بلا قلب ولا عواطف. الصورة المثيرة للشفقة والسخرية لإمرأة عاطلة عن الحياة. امرأة عاجزة عن صناعة البهجة والفرح فضلاً عن إعداد الطبخات الشهية. فهي لا تُجيد إلا التبطُّل وإعطاء الأوامر لخادمتها، ثم توبيخها أو تغييرها بإشارة تذمُّرٍ كما تُبَدِّل شُرّابها المستعمل. المهم أن يكون بيتها أنيقاً، وليس المهم أن يكون خالياً من المعنى والدفء والحنان. حتى عندما تذهب إلى الطبيب تأخذها معها، وبمنتهى الصفاقة والميوعة تأمرها: كُحّي مثل كحتي البارحة ليتعرَّف الطبيب على ما أحسّ به!!!

ناقد وكاتب