آخر تحديث: 25 / 5 / 2018م - 6:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوطن العربي والنظام العالمي الجديد

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

شهد القرن الماضي حربين عالميتين مدمرتين، كانت القارة الأوروبية في الحالتين، مركز انطلاقتهما، وكانت في الأساس حروباً بين الأوروبيين أنفسهم. ذلك لا ينفي التحاق أطراف بتلك الحرب، من خارج القارة، في كلا الحربين، ولكن المسببات ونقطة الانطلاق فيهما كانت أوروبا.

في كلا الحربين، كما في معظم التحولات التاريخية، التي شهدها عصرنا، كان الوطن العربي، بحكم حقائق الجغرافيا والتاريخ، ضمن مناطق الاشتباك الرئيسية في الصراعات العالمية. وليس مبالغة القول، إن منطقتنا كانت الأكثر تضرراً من التسويات التي أعقبت تلك الحروب، كما كانت باستمرار ضحية للصراعات الكبرى التي أخذت مكانها في الصراعات الدولية، منذ مطلع القرن الماضي، وحتى يومنا هذا.

والآن على سبيل المثال لا الحصر، تمثل الساحة السورية، منذ بداية الأزمة عام 2011، حتى يومنا هذا، ساحة حرب عالمية وإقليمية، هي في ظاهرها صراع على سوريا، وفي داخلها، لكنها في حقيقتها، تمثل صراعاً بين القوى الكبرى والإقليمية على المنطقة بأسرها، رغم اختلاف الذرائع والعناوين والمسميات.

وحين نعود للمناخات التي سادت قبيل وبعد الحرب العالمية الأولى، ونأخذ بيان الرئيس الأمريكي ويلسون الذي حمل المبادئ الأربعة عشر لحقوق الإنسان، نرى صعوبة فصل هذا البيان عن التسويات التاريخية التي تحققت بين المنتصرين في تلك الحرب، ورغبة الولايات المتحدة للخروج عبر المحيط إلى قلب العالم، والتنافس بقوة مع القوى التقليدية الأوربية، على هذه المنطقة، والهيمنة عليها، معابر ومناطق استراتيجية وثروات.

لقد حمل بيان ويلسون، دعوات صريحة لحق تقرير المصير للشعوب، وطالب بتصفية الاستعمار. وقد بدا موقف الرئيس ويلسون غريباً في حينه، لأن المستعمرين لمعظم البلدان العربية، في حينه، هم حلفاء أمريكا. لكن ما تكشف لاحقاً، هو ما تحدثنا عنه في أحاديث سابقة، بانتهاج سياسة الإزاحة التي بدأت مع الحرب العالمية الأولى، وتصاعدت وتكاملت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

صحيح أن البلدان العربية، لم تتمكن من حيازة استقلالها بعد الحرب العالمية الأولى، وأن الوطن العربي جرى تقسيمه وفقاً لاتفاقيات سايكس - بيكو ووعد بلفور، لكن المسميات تغيرت، وباتت تحمل عناوين جديدة: الانتداب والوصاية والحماية.

ويمكن القول، إن كل حرب عالمية، يتبعها تسويات تاريخية، وانبثاق نظام دولي جديد، تعكس نتائج الحروب توازنات القوة فيها. وكانت نتائج الحرب الكونية الثانية، قد توجت الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على رأس الهيمنة العالمية، لكنها أنهت وإلى الأبد، احتمال قيام حرب عالمية ثالثة على غرار الحروب التقليدية القديمة.

لقد كانت الحروب التقليدية القديمة، تنتهي في الغالب بالضربة القاضية، حيث يكون هناك منتصرون ومهزومون. ويتشكل النظام الدولي الجديد، على قاعدة اعتراف جميع الأطراف المنضوية بالحرب، بنتائجها، وموازين القوة الجديدة.

اكتشاف سلاح الردع النووي، وامتلاك دول عديدة لهذا السلاح، بلغ حسب ما هو معلوم تسع دول، هي الدول الخمس، الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن، والهند وباكستان و» إسرائيل» وكوريا الشمالية، يجعل من المستحيل قيام مواجهة مباشرة بين من يمتلك سلاح الردع. لذلك تأخذ الحروب أشكالاً أخرى، قد لا تقل ضراوة، عن الحروب السابقة.

إن حروباً عالمية، بدأت تأخذ أشكالاً جديدة، متسقة مع الواقع الجديد لتطور أسلحة الردع. أحياناً تكون بالوكالة، وأحياناً تكون مباشرة، لكنها مقننة، وتدار بكفاءة وحسبان للمحاذير من قبل صناع القرار. وما يحدث في سوريا وليبيا واليمن، وجميعها بلدان عربية، هو خير دليل على ذلك.

ولأن الحروب العالمية، لا تنتهي في الغالب إلا بمنتصرين ومهزومين، وأيضاً لأن الواقع الدولي الجديد، خلال أكثر من عقد، يشير إلى تضعضع هيمنة القطب الواحد، وبروز قوى اقتصادية وعسكرية جديدة، فاعلة وكاسحة، كما هو وضع الصين اقتصادياً، وروسيا في بروزها المطرد عسكرياً، فإن من الصعوبة تحقيق أي انتصار بالضربة القاضية، لأي من الأطراف العالمية أو الإقليمية المنخرطة في الصراع على المنطقة.

ولذلك، فإن حالة الفوضى سوف تستمر في منطقتنا، إلى أن يقبل الأطراف المتصارعون بحقائق توازنات القوة العالمية الجديدة. وهو أمر يعني من جهة، استحالة تحقيق نصر، في أي موقع من مواقع الصراع المحتدم الآن في منطقتنا بالضربة القاضية. إن النصر يحسب بالنقاط، وبتراكمها لصالح فريق ضد الفريق الآخر. ولن تحسم الصراعات في الميادين، بل بالتسويات.

وفي هذا السياق، تحضر نتائج حروب التحرير الوطني في القارات الثلاث، آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. فالمستعمر التقليدي، لم يخسر حرباً في الميدان، ولكن الهزيمة كانت دائماً سياسية بالدرجة الأولى، تجبر المستعمر على الرحيل، نظراً لاستمرار حالة الاستنزاف وارتفاع كلفة الحرب.

انبثاق النظام الدولي الجديد، سوف يستغرق وقتاً أطول، تستمر فيه الفوضى في منطقتنا، كونها دائماً حجر الزاوية في الحروب العالمية. وحين تسلم القوى الدولية والإقليمية، بأن موسم التسويات قد حان، ولا مناص من الاعتراف بتوازنات القوة الجديدة، عندها فقط يسود السلام والوئام، في منطقتنا، فهل سيكون لنا دور في التسريع لبلوغ تلك اللحظة!