آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 10:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مقاربات في الاستراتيجيات الفلسطينية

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

قبل أسبوعين من هذا التاريخ، احتفل «الإسرائيليون»، بالذكرى السبعين لتأسيس كيانهم الغاصب. وكانت النكبة الفلسطينية، قد خلقت واقعاً جديداً، بالنسبة لتطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية، وإقامة الدولة المستقلة. طرد أكثر من سبعمئة ألف فلسطيني من ديارهم، وبقيت نسبة ضئيلة من الفلسطينيين، في أراضي عام 1948، تحت نظام فصل عنصري قاسٍ. وصمد هؤلاء في أراضيهم وتمسكوا بها وبهويتهم الفلسطينية، رغم شظف العيش واعتبارهم غرباء في وطنهم.

الفلسطينيون في الشتات توزعوا بشكل رئيسي، بين الأردن وسوريا ولبنان، والجزء المتبقي منذ النكبة، حتى نكسة الخامس من يونيو/‏حزيران عام 1967، في الضفة الغربية وقطاع غزة، والقدس الشرقية.

كانت تسويات ما بعد النكبة، قد وضعت قطاع غزة، تحت الإدارة المصرية. أما الضفة الغربية ومدينة القدس الشرقية، فضمت إلى الأردن، وبقيت جزءاً منه حتى حدوث النكسة.

بالنسبة للفلسطينيين في الشتات، تشكلت لهم مخيمات في الأردن وسوريا ولبنان، وأعلنت الأمم المتحدة عن تأسيس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، لتقدم لهم ما يمكّنهم من مقابلة الحاجات الأساسية للعيش، من غذاء وعلاج وتعليم.

وبخلاف إخوانهم في فلسطين 1948، والفلسطينيين في الضفة الغربية، والقدس والقطاع، ظلوا أسرى لشعور الهوان والمذلة وفقدان الوطن. وبقي حلم العودة إلى ديارهم جاثماً بقوة في مخيالهم الوطني. وكان هذا الشعور هو مبرر صمودهم، وتمسكهم بهويتهم الوطنية المغدورة.

ويفسر الشعور بالظلم والانسحاق الإنساني، داخل المخيمات الفلسطينية المنتشرة في الجوار، أسباب انطلاق العمل المقاوم، في بداياته، من هذه المخيمات. وكيف أنها باتت لعقود، تشكل العمود الفقري للكفاح الفلسطيني. فمن هذه المخيمات، جندت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح»، الشباب للنضال ضد الوجود «الإسرائيلي» في فلسطين.

لم يستمر واقع الحال، في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، سوى قرابة عقدين من الزمن، حيث تمكن «الإسرائيليون» في حرب يونيو/‏حزيران من الاستيلاء على بقية الأراضي الفلسطينية، وبات الفلسطينيون في المناطق التي احتلت حديثاً، تحت وطأة الاحتلال «الإسرائيلي»، رغم أن مرحلة ما بعد حرب يونيو/‏حزيران عام 1967، شهدت نمواً متصاعداً لعمليات المقاومة الفلسطينية، عبر الجبهات العربية الثلاث: الأردن وسوريا ولبنان. ولم تكن الجيوش العربية، في المرحلة التي أعقبت النكسة، مباشرة، في وارد التعرض لعمليات المقاومة؛ كونها بقعة الضوء الوحيدة المتبقية في مواجهة غطرسة الاحتلال، لكن استجابة الفلسطينيين، في الضفة والقطاع ومدينة القدس، في المرحلة التي أعقبت النكسة مباشرة، كانت أقل بكثير مما هو مؤمل ومتوقع منها.

قراءة الأسباب، التي أدت إلى عزوف المناطق المحتلة، عن الالتحاق المبكر بالمقاومة مهمة جداً؛ لأنها تجلي بعض الرماد عن الواقع الراهن.

فقد عول الفلسطينيون، تحت الاحتلال، على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي قبلت به مصر والأردن، وكلاهما مسؤولان بشكل مباشر، عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت حديثاً؛ نتيجة عجز جيوشهما عن مواجهة الجيش «الإسرائيلي» في الحرب التي أدت للنكسة.

هنا نحن أمام استراتيجيتين فلسطينيتين؛ الأولى استراتيجية المقاومة المسلحة التي تتخذ من الشتات مركزاً لها، وتطرح شعار التحرير الكامل لفلسطين. وهو شعار يتماهى مع معاناة الفلسطينيين في الشتات، حيث المهم بالنسبة لهم هو العودة إلى حيفا ويافا والناصرة، وبقية الأراضي التي تم احتلالها عام النكبة.

أما الاستراتيجية الأخرى، فإنها تتركز حول إزاحة الاحتلال عن الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، حيث المطلب الأول والأساسي هو تحرير تلك المناطق وليس حق العودة، وتحرير كامل التراب الفلسطيني.

والفرق كبير بين الاستراتيجيتين، وهو ذو صلة مباشرة بالأهداف والاستراتيجيات التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية.

فمطلب تحرير الأراضي المحتلة عام 1967، يتطلب حلاً سريعاً، بدا في حينه ممكناً، بهدف التخلص من نتائج النكسة. أما الآخر، فهو يهدف إلى التعامل مع نتائج النكبة، وليس النكسة، وكانت بيانات المنظمة التأسيسية، وميثاقها الوطني، قد هدفت جميعها إلى التعامل مع نتائج النكبة، وذلك أمر طبيعي لأن هذه المنظمة تأسست قبل النكسة بسنتين، على الأقل. وهي رؤية بنيت ضمن استراتيجية بعيدة المدى، تتطلب ظروفاً مواتية من نوع خاص؛ ذاتية وعربية ودولية.

وجد الفلسطينيون في الضفة والقطاع، أن الاستراتيجية بعيدة المدى، ليس بمقدورها، معالجة نتائج النكسة، وأن أملهم في تحرير أراضيهم بموجبها سيظل مؤجلاً إلى أمد غير منظور.

كان النهوض الشعبي بالضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، في منتصف السبعينات من القرن المنصرم، قد تصاعد في سياقات تحرير الأراضي التي احتلت عام 67. ووجدت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، في هذا النهوض ضالتها لتوسع من دائرة حركتها لتشمل الأرضي المحتلة. ولكن ذلك لم يكن بالإمكان، من غير تبنٍ للشعارات والتكتيكات والاستراتيجيات التي طرحها الفلسطينيون في الداخل.

لقد انتقل مركز الجاذبية في الكفاح الفلسطيني من المخيمات إلى الداخل، ومع هذا الانتقال تغيّرت الأهداف والاستراتيجيات، وبهت شعار التحرير الكامل لفلسطين والكفاح المسلح وحق العودة، وبرزت استراتيجيات وصفت بالمرحلية والواقعية، تركت بصماتها ثقيلة على الكفاح الفلسطيني.