آخر تحديث: 21 / 10 / 2018م - 8:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

غربة المثقف العربي.. صور وتجليات «1»

الشيخ زكي الميلاد *

ما من مثقف في المجال العربي تقريبا إلا وله سيرة وذاكرة مع الغربة، بحسب أنواعها وصورها وأنماطها، ما بين غربة قصيرة أو طويلة من ناحية الزمن، وما بين غربة متنبه لها أو غير متنبه لها من ناحية الفكر، ومن لا يتنبه لها مبكرا سوف يتنبه لها متأخرا، وما بين غربة محزنة أو غير محزنة من ناحية النفس، أو محزنة بدرجة تختلف وتتفاوت من مثقف لآخر، وما بين غربة نابعة منه أو نابعة من مجتمعه أو من الطرفين معا، مكاشفا بها أو متكتما عليها.

ومن ناحية النوع والصورة والأنماط، فهناك غربة المثقف عن مجتمعه، وهناك غربة المثقف عن ثقافته، وغربة المثقف عن لغته، وغربة المثقف عن تاريخه، إلى جانب من يرى غربة المثقف حتى عن نفسه في بعض الحالات، فالغربة بهذا المعنى هي غربات لها صور وأنماط متعددة، لكنها متحدة من جهة المعنى والحقيقة والشعور، حتى وإن اختلفت من جهة الشدة والدرجة.

فغربة المثقف عن مجتمعه، هذه الغربة المثقف هو أبصر بها من غيره، يدرك صورتها وحقيقتها، وطالما تحدث عنها ببلاغته البيانية المعهودة، وفتح النقاش حولها، مجادلا ومسائلا، مناظرا ومحاججا، متأثرا ومتألما تارة، قانعا وزاهدا تارة ثانية، متغافلا ولا مباليا تارة ثالثة، وهذه الحالات حصلت وتحصل بحسب أنماط المثقفين وصورهم.

لكن هذه الغربة في المجال العربي حصلت بطريقة مزدوجة، اشترك فيها وتسبب بها المثقف من جهة والمجتمع من جهة أخرى، وذلك على اختلاف الحالات والدرجات من مجتمع لآخر.

تسبب وشعر بها المثقف حين عزل نفسه وانقطع عن المجتمع بإرادته أو بغير إرادته، وحين تعالى وترفع وأخذه الكبرياء على المجتمع، وهكذا حين تفككت علاقته بالمجتمع وانفصمت لسبب من الأسباب، فالمثقف الذي طوق نفسه بالأيديولوجيات وبقي سجينا لها فكرا وتاريخا، لغة واصطلاحا، نبضا وحسا، كالماركسية والوجودية والوضعية والداروينية وغيرها، فإنه بهذا المنحى يكون قد فقد خطاب التواصل مع المجتمع الذي لا تربطه صلة ثقافية وروحية وتاريخية ولغوية بهذه الأيديولوجيات الغريبة عليه، ما جعل المثقف يعيش غربة أو يحس بغربة في مجتمعاته.

وهكذا الحال مع المثقف الذي يرى نفسه أنه بتأثير علاقته بالثقافة والمعرفة والأدب، أصبح ينتمي إلى طبقة راقية ومتفوقة على طبقات المجتمع الأخرى المتدنية في نظره وفي شعوره النفسي، هذا الإدراك الوهمي يدفع بالمثقف إلى حالة من التعالي، وتؤدي به إلى نوع من الاضطراب في علاقته بالمجتمع، والبقاء على هذا الوضع ينتهي بالمثقف لأن يعيش الغربة في مجتمعه.

وتسبب المجتمع بهذه الغربة من دون وعي وإدراك، وذلك نتيجة تقلص علاقته بالفكر والثقافة والمعرفة وانكماشها، وهو الوضع الذي أحدث فجوة كبيرة وغير طبيعية في علاقة المجتمع بالمثقف، فهناك تراجع ثقافي ممتد وشديد في مجتمعاتنا العربية الراهنة، جعلها لا تواكب المثقف، ولا تجاريه في عطاءاته الفكرية والمعرفية والثقافية والنقدية، ولا تظهر التفاعل معه، والاقتراب منه، وصعبت كذلك على المثقف إمكانية التواصل الحيوي مع المجتمع، والتخاطب الفعال معه فكريا وثقافيا.

وتسبب بهذه الغربة المجتمع كذلك، حين لم يلتفت إلى المثقف من جهة الاعتبار الأخلاقي والتقدير الاجتماعي، وجرى التعامل معه في أحيان كثيرة بنوع من الإهمال والتغافل غير المقصود، الوضع الذي ترك أثرا وتأثيرا نفسيا ووجدانيا جارحا على المثقف، ظاهرا أو مخفيا، وسواء أعلن عنه المثقف وجاهر به أو تكتم عليه.

ومن الثابت أن أدوار المثقف كما ونوعا، تتأثر برغبته أو من دون رغبته بطريقة تبادل التقدير له من المجتمع، فالمثقف الذي يبادله المجتمع تقديرا أخلاقيا واجتماعيا يفترض أن تتقدم أدواره وتزدهر كما ونوعا، بخلاف الحال مع المثقف الذي لا يبادله المجتمع نوعا من التقدير، فإن أدواره يفترض أن تتراجع وتنكمش كما ونوعا.

كاتب وباحث سعودي «القطيف»