آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 7:51 ص

التعددية في الخليج هل المأسسة ممكنة؟

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

تشوب مصطلحات المعارضة والتعددية والاختلاف بكثير من الإبهام وتثير ردود فعل غير منضبطة لوقوعها في دائرة الخطوط الحمراء العرفية السائدة في أدبيات الحياة السياسية للمجتمع الخليجي. ان دس الرأس في التراب عن حقيقة وجود تيارات سياسية وفكرية متنوعة للمجتمع الكويتي وعدم التقنين لهذا الشكل من التنوع أدى إلى نمو حالة غير منضبطة من التعددية السياسية التي على أطرافها نمت الأصولية والغلو السياسي والغوغائية المفرطة التي عبرت عن وجودها خلال اقتحام مجلس الأمة الكويتي والمسيرات الصدامية.

ان بقاء مصطلح التعددية أو المعارضة في دائرة الخط الأحمر والإصرار على رفضه وإنكار وجوده وعدم سن التشريعات المنظمة لنشاطه عامل مشجع لنمو أشكال الغلو السياسي والأصولية السلبية أضحت عنصرا لازما ومكملا لهذا النمو المدني للمجتمع الخليجي الذي في ضوئه تحدد معايير التعددية السياسية ومفاهيم وأدبيات الاعتراض السياسي. لعل من المفاهيم الطاردة للنزوع نحو قبول هذا الشكل من المفاهيم الديمقراطية اللازمة لحياة سياسية صالحة ومثمرة اعتبار المعارضة ضربا من ضروب النيل من هيبة النظام او تقليلا من شأن الحكومة.

ان الممارسة السياسية في إطار المعارضة الصحية المساهمة في بناء الوطن وتعزيز كيانه وسيادته تعني ان كافة الأطراف بحاجة لتحديد الثوابت التي تمثل المرجعية الوطنية العليا ومن دونها تعد المعارضة والاختلاف في دائرة المؤسسات المدنية الساعية لتطوير البنية الاجتماعية السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع الخليجي. ان المدنية في الخليج ما زالت تمارس الانفصام بين مفهومي التمدن والتحضر. التمدن هو العمران وتوظيف ادوات المدنية لتحسين مستوى الحياة ورفع العوائق الحياتية لخلق بيئة صالحة وموائمة لتطور الفكر والثقافة والفن. ان التمدن الذي يمارسه الخليجي هو في الطور الجنيني الذي يتمثل في دوامة لا تنتهي من استهلاك للادوات المدنية مع توظيف الحد الادنى من هذه البيئة المدنية في استكمال البنى التحتية للانطلاق في مجتمع حضاري يساهم في الحراك الانساني ويعبر عن وجوده المبدع في الحياة. ان من اهم هذه البنى التحتية بناء المؤسسة المدنية التي تقنن وتنظم وتشجع الاختلاف والتعددية السياسية والاجتماعية. ان ترك التعددية للاجتهادات الفردية او للجهود المبعثرة دون التخطيط الحثيث لتثبيت اركانها واشاعة حيويتها لحياة مدنية صالحة يعني ان المدنية في الخليج لا تتعدى اكثر من انها نسخة معدلة من مدنية مادية مفتقرة للحركة التصاعدية نحو بناء المجتمع الانساني المتحضر. ان الحراك الساخن للمجتمع الخليجي في المطالبة بحق التعبير والرأي والرأي الاخر مرهون بحجم ما يبديه الفضاء السياسي والاجتماعي الخليجي من قناعة بضرورة استكمال البنى المدنية المنظمة للتعددية التي ترتكز عليها التجربة الديمقراطية الفاعلة في بناء مجتمع خليجي متمدن ومتحضر.