آخر تحديث: 19 / 11 / 2018م - 10:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

ارتباك عناصر المشروع الصهيوني

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

قبل ثلاثة أسابيع من هذا التاريخ، نشرنا مقالاً في هذه الصحيفة الغراء، حمل عنوان «من حق التوراة إلى الهيمنة الصهيونية»، تعرضنا فيه إلى ادعاء مؤسسي الحركة الصهيونية، بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين، وأن اكتساب فلسطين، يأتي في إطار «عودة الحق إلى أهله»، وفقاً لهذا المنطق. وقد دحضنا هذا الادعاء بالقراءة والتحليل في حديثنا آنف الذكر.

أجّلنا مناقشة بقية العناصر، التي استند إليها المشروع الصهيوني، في اغتصابه لفلسطين، لكننا أشرنا إليها لماماً. فبالإضافة إلى الحق التاريخي، هناك فكرة اصطفاء اليهود، على غيرهم من شعوب الأرض. وتحمل هذه الفكرة شقين: شقاً دينياً، يستند إلى أن اليهود منحوا حقاً إلهياً في فلسطين، وأنهم «فُضلوا على العالمين». أما الشق الثاني، فينطلق من داروينية سياسية، خلاصتها أن اليهود أقدر من الفلسطينيين على عمارة الأرض، وأن الأرض لمن يزرعها. وتتداخل في هذه الرؤية النظرية العنصرية، في أن البقاء للأصلح.

وقد بلغ الاستغراق في هذا الموقف العنصري، حد إنكار وجود الفلسطينيين جملة وتفصيلاً، بقول جولدا مائير، أحد طلائع المشروع الصهيوني، بأن «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

واقع الحال، أن الموقف العنصري، للحركة الصهيونية، ليس موقفاً سياسياً طارئاً، بل هو في صلب المشروع الصهيوني، منذ تأسيسه. ففي رسالة وجهها مؤسس الحركة، ثيودور هرتزل، للقادة الأوروبيين، أوضح لهم أن قيام دولة لليهود، على أرض فلسطين، سيشكل حاجزاً صلباً بين العالم المتحضر، وبين البرابرة.

أما في رسالته التي حاول فيها إقناع السلطان عبد الحميد الثاني، فأشار إلى أن قيام دولة في فلسطين، سيضع حداً لمعاناة اليهود المستمرة عبر التاريخ، وأنه في حال تأييد السلطان للمشروع، فإن هرتزل يتعهد له بتسديد ديون السلطنة، وإنعاش ممتلكاتها اقتصادياً.

في هذا السياق، يشكل قيام «إسرائيل»، بالنسبة للفكر الصهيوني عبوراً آخر، لليهود، مشابهاً للعبور الأول، من مصر عبر سيناء إلى يهودا والسامرة، حسب الأسطورة اليهودية. ويقارن العبور اليهودي الجديد، بالعبور البروتستانتي، إلى القارتين الأمريكيتين، وفقاً للمعايير الأخلاقية التي ذكرها ماكس فيبر في كتابه الموسوم «الأخلاق البروتستانتية». وكما كانت حرب الإبادة ضد «الهنود الحمر»، قرباناً للمدنية والحضارة ولقيام دول حديثة في هذه القارة، فإن العبور «اليهودي» الثاني إلى فلسطين، سيحقق ذات الهدف، حين يجعل من الفلسطينيين، قرابين من أجل قيام «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط».

العنصر الثالث، في الجدل الصهيوني، لتبرير اكتساب فلسطين، هو حالة الاضطهاد الدائم الذي تعرض له اليهود عبر التاريخ. وفي الحديث عن حالة الاضطهاد، أو المظلومية، يرفض اليهود مقاربة اضطهادهم بأي نوع من الاضطهاد الذي تعرّضت له شعوب أخرى. إن اضطهادهم يملك فرادة خاصة، يصل الإيمان بها لدى مناصري الحركة الصهيونية حد القداسة.

وقمة هذا الاضطهاد هو الهولوكست، الذي لم يشاركهم فيه أي شعب من شعوب الأرض. فما تعرّضوا له على يد النازية، ليس حرب إبادة وليس قتلاً، وليس أي محرقة، إنها محرقة جماعية، هدفها استئصال «العرق» اليهودي من الوجود. ولذلك ترتعد فرائص اليهود، عند التقليل من شأن هذا الحدث، سواء بالتقليل من عدد الضحايا اليهود، أو بمقاربة ما حدث لهم، على سبيل المثال، بما حدث للغجر، الذين تم حرقهم بالطريقة نفسها على يد النازيين، أو عند الإشارة إلى أن خسائر الاتحاد السوفييتي في الحرب العالمية الثانية، قد فاقت تعداد ضحايا الهلوكوست من اليهود.

هذه الجدلية، تكشف لنا عن مستوى الذعر والغضب لدى اليهود وحلفائهم، حين ينبري أحد الباحثين أو العلماء لتقديم سرديّة مغايرة لحادثة الهولوكست، مختلفة عن السردية التقليدية للمحرقة. وتفسّر لنا الأسباب التي تدفع الصهاينة ومناصريهم بسحق المعارضين لهذه السرديّة، حيث يتعرّضون للمحاكمات والسجن والغرامات المالية الكبيرة، وحرق الكتب والوثائق التي لا تتماهى مع سردية «الهلوكوست».

هذه العناصر الثلاثة، التي أشرنا لها: الحق التاريخي، والتفوق العرقي المُسند بالنصوص التلمودية، وفرادة الاضطهاد، تلتقي جميعاً في موقف عنصري مقيت، لا يرى أي حق أو وجود «للأغيار».

فكل البشر، وبشكل خاص أولئك الذين استوطنوا أرض فلسطين، لآلاف السنين، هم كائنات هلامية، لا ينبغي أن يتعطّل المشروع الصهيوني، من أجلها. ولذلك لا توجد موانع أخلاقية، تحول دون تشريدها، أو إبادتها، أو حتى نفي وجودها.

وهذه العناصر أيضاً، هي التي تمنح اليهود، حقوقاً، خارج شرعة الأمم، والقانون الدولي، ومبادئ حقوق الإنسان، والتنكر للقرارات الأممية التي تعتبر الأراضي الفلسطينية، المحتلة في حرب حزيران/ يونيو عام 1967م، أراضي محتلة ينبغي إعادتها لأصحابها الشرعيين.

وهي أيضاً التي تبرر النهج التوسعي والعدواني لـ «إسرائيل»، ومحاولاتها المتكررة توسيع رقعة أراضي كيانها، لتصل إلى نهر الليطاني وبحيرة طبرية شمالاً، ونهر الأردن شرقاً، ومياه النيل جنوباً، بما يضمن توفير الحاجات المائية لهذا الكيان، ويضمن استمرار مشاريعه الاقتصادية والصناعية والزراعية.

وعندما تحضر هذه العناصر، لا يهتم الصهاينة، ولا مناصروهم، بحقوق الدول المجاورة، ولا بأمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية. فكل شيء يهون في سبيل صيانة هذه العناصر.

فهل آن لنا، بعد كل هذا، أن ندرك مخاطر هذا المشروع على وجودنا وأمننا، ومستقبلنا، أم أن علينا انتظار المزيد من الانهيارات والدمار والخراب؟