آخر تحديث: 18 / 9 / 2018م - 10:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

عاشوريات «4»

محمد أحمد التاروتي *

العبرة احدى الأسلحة الاكثر تأثيرا، في نشر مظلومية فاجعة الطف، ”الحسين عبرة كل مؤمن“، فالدمعة القليلة قادرة على لفت الأنظار، مما يفتح الأبواب مشرعة للنقاشات، وإيصال الرسالة، لاسيما وان المظلومية بحاجة الى مختلف الأسلحة، للوصول لمختلف الاطراف، فالعملية مرتبطة بقدرة المظلوم على وضع منهجية، تتجاوز الحصار المفروض ومحاولة كسر الطوق بما يسهم احداث تحولات متفاوتة، في الاطراف الاخرى.

الدمعة عزيزة على الانسان، فهو يحاول حبس الدموع، والتماسك في الكثير من المواقف والاحزان، نظرا لما تمثله الدموع من انعكاسات على المرء، لذا فانه يحاول الاحتفاظ بالتوازن في حالات فقدان الأعزاء في العلن، فيما يترك الدموع تترقرق في الخلوة، بعيدا عن الاعين، سواء من اجل إشاعة التماسك لدى الاخرين، او لإعطاء الاطراف الاخرى انطباعا ايجابيا، بيد ان الدموع تبقى رخيصة في مصيبة سيد الشهداء ، فالمطلوب البكاء والتباكي من الصغير والكبير، بدون استثناء باعتبار الدمعة، احدى طريقة للحصول على الثواب، ”كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين، فإنها ضاحكة مستبشرة“.

استخدام العبرة في نشر مظلومية الامام الحسين ، لا يقل أهمية عن الأساليب الاخرى، فكل وسيلة قادرة على إيصال الرسالة في المجتمع، وبالتالي فان استخدام الطرق المتعددة امر مطلوب، في احياء مصيبة سيد الشهداء ، لاسيما وان هناك شرائح اجتماعية تتأثر بالمناظرة الفكرية، ومخاطبة العقل، فيما توجد شرائح اجتماعية تتعاطف بطريقة العاطفة، وثالثة تستجيب لقضية مظلومية الامام الحسين عن طريق الدمعة، لاسيما وان البكاء بطريقة واعية تدعو للتساؤل، وبالتالي فان الدمعة تبقى جزء اصيل من قضية كربلاء.

ولعل الدمعة لعبت دورا في استمرارية فاجعة كربلاء، فالإمام السجاد واصل البكاء على ابيه لسنوات طويلة، فهو لا يحبس دمعته كلما وضعت مائدة أمامه، «بكى علي بن الحسين على أبيه عشرين... كلّما قدم له طعام وشراب يقول: «كيف آكل وقد قتل أبو عبد الله جائعاً، وكيف أشرب وقد قتل أبو عبد الله عطشاناً"، فضلا التذكير بعطش الامام الحسين اهل بيته وأنصاره، رأى جزاراً يريد أن يذبح شاة
أو غيرها يدنو من ويقول: هل سقيتها الماء؟ فيقول له: نعم يبن رسول الله، إنا لا نذبح حيواناً حتى نسقيه ولوقليل من الماء، فيبكي عند ذلك ويقول: لقد ذبح أبو عبد الله عطشان.

الحث على البكاء عند سماع مصائب عاشوراء، والفظائع التي ارتكبت من قبل جيش بني أمية، يترك اثرا كبيرا في الارتباط مع فاجعة الطف، لاسيما وان المرء لا يملك نفسه عن البكاء، وهو يستمع او يقرأ الطريقة البربرية، لجيش بني أمية في التعامل الامام الحسين ، فضلا عن الطريقة الهمجية في التعاطي مع حرم سيد الشهداء ، وكذلك استخدام العنف مع الأطفال.

لعل العبرة طريقة لتجاوز الظروف السياسية المفروضة، على نشر قضية الامام الحسين ، من لدن السلطات الحاكمة خلال العصور الماضية، مما يستدعي استخدام الدمعة للتواصل مع الاخرين، لاسيما وان التنكيل والممارسات التعسفية من السلطات الحاكمة، ليست خافية لطمس الارتباط مع قضية كربلاء، الامر الذي يفسر محاولات جرف قبر الامام الحسين ، ابان خلافة المتوكل، وغيرها من الممارسات الاخرى، مما يستدعي انتهاج طرق مختلف لنشر القضية، ومقاومة كافة الأساليب، المستخدمة لمسح فاجعة الطف من ذاكرة التاريخ.

كاتب صحفي