آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

سعودية المستقبل!

حسن المصطفى * جريدة الرياض

الاحتفال بمرور 88 عاما على تأسيس الدولة السعودية الثالثة، شهد كثافة في الفعاليات والمشاركة الشعبية، كما التغطية الإعلامية، ما يعني أن ثمة مشاعر وطنية جياشة، وهوية جامعة آخذة في التشكل، ورغبة كبيرة في الاحتفاء بهذه الهوية التي تقوم على العلاقة بين: الدولة ككيان، والأرض كفضاء وحيز جغرافي، والشعب كمجموعة بشرية تتشارك في هذه الأرض، والقيادة السياسية التي تدير دفة الحكم.

العلاقة بين هذه العناصر الأربعة، ودرجة التفاعل الإيجابي والتكامل فيما بينها، وتوزيع الأدوار، وتحمل المسؤوليات، وفق نظام وقانون واضح، هو ما تأسست عليه الدول الوطنية في العصر الحديث. وهي دول أخذت في الحسبان القواسم المشتركة بين أعراقها وثقافاتها ومجتمعاتها المختلفة، وحولتها إلى مشروعات عمل جماعية، وورش نقاش، أسهمت في بناء المنظومتين السياسية والثقافية، اللتين تقومان على مرجعية القانون الذي يحتكم له الجميع، وله يخضعون، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجندر.

في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، أطلقت السعودية رؤية مستقبلية طموحة، بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وشرعت في عدد من الخطوات الإصلاحية التي تعزز الحوكمة، وتعزيز دولة المؤسسات، وتنويع مصادر الدخل، وتمكين المرأة، وترسيخ ثقافة التعدد وقبول الآخر، ومحاربة الأفكار المتطرفة، وكل ذلك من أجل أن تكون هنالك دولة مدنية يمكنها أن تشارك في صناعة الحضارة، والولوج إلى المستقبل، دون أغلال تقيدها، أو أفكار ماضوية، عمل أصحابها على تقييد المجتمع وترسيخ ثقافة أحادية نابذة للمختلف، أسست للتخلف والكراهية. وهي الثقافة التي تعهد الأمير محمد بن سلمان ب» تدميرها»، وألا تعيش الأجيال القادمة الانغلاق ذاته الذي فرضه الأصوليون في الأربعين عاما الماضية.

سعودية المستقبل، ليست مجرد حلم جميل، أو قصيدة يتغنى بها، أو مشاعر ملتهبة، بل هي وطن نعيشه يوما بعد آخر، وثقافة نصنعها، ومشروعات يجب أن يشارك في تحمل مسؤوليتها الجميع، دون كسل أو تردد أو خوف.

العبور إلى المستقبل ليس بالأمر البسيط، أو الطريق المرصع بالذهب. بل هو تحول صعب، فيه كثير من المشاق، وبه عقبات كبيرة، إلا أنه عبور ضروري، لا يمكن تأخيره، أو التردد في خوض غماره؛ لأن البقاء في المكان دون أن نتلمس مستقبلنا، يعني أننا سنستحيل إلى مجرد متطفلين على الحضارة، وعبء على الأمم، في الوقت الذي نريد أن نكون نحن في مقدمتها.

ترسيخ ثقافة التعلم والتدريب والتحدي، وإشراك الناس في اتخاذ القرارات، وتحمل الأفراد مسؤولياتهم، والتحلي بقوة الإقدام، ونبذ القلق والخوف، هو ما نحتاجه، وما يجب أن تتحلى به الأجيال القادمة، من أجل وطن يصنع الحضارة ويمتلكها، يقصده الآخرون للتعلم من تجاربه والاستفادة من خبرات أبنائه، وهو الإنجاز الذي نحن قادرون على إنجازه، بقدر ما نتسلح بالحكمة والبصيرة والعزيمة.