آخر تحديث: 19 / 12 / 2018م - 3:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

وجئت إليك رب لترضى‎

هل نمتلك وعيا ومعرفة بأهمية الصلاة وقيمتها في مسير القرب من الله تعالى، وفي ترقي وتكامل النفس في طريق التحلي بالفضائل كالخشية من الله تعالى، وفيض الوقوف بين يديه سبحانه فتعاف النفس وتستقبح سلوك الرذيلة ومخالفة أوامره؟

لنتعرف أولا عن مدى تقصيرنا في الاستعداد والتهيئة الروحية لمقام العبودية الحقيقية، فإذا كان عند أحدنا موعدا مهما للتقديم على دراسة أو عمل أو ملتقى اجتماعي، فانظر إلى حالة الترقب وإعداد اللوازم مبكرا، ووضعه لمفكرة تذكره بالموعد ومتطلباته، فيا ترى: هل يحظى عنده لقاء بأهمية مناجاة الله تعالى والتهيؤ لاستلهام الإفاضات الربانية من خلال حضور القلب وإفراغ العقل من التلهي والانشغال بالدنيا، أم تبقى الصلاة مرتعا لكل هموم الحياة حتى البسيط والتافه منها؛ ليبقى في صورة وهيئة صلاة خالية من الروح والمضامين العالية، بل تفتقر لأدنى صور الخشوع واستشعار مقام العظمة الإلهية؟

كثيرا ما يطرح التساؤل حول تأثير الصلاة على سلوكياتنا وتقنينها في مدار التزكية والرشد، بل وينطلق شعاعها في فضاء كل مجريات حياتنا وعلاقاتنا، لكن ما نراه هو فقدان لتلك الفاعلية التقوائية الحاجزة عن التعدي على محارم الله تعالى، وما هو أمامنا صلاة لا نستشعر فيها ذاك السر في الطمأنينة والراحة النفسية التي يتحصلها المقيم للصلاة، ويغيب عنا أمر مهم يتعلق بحدود وشرائط الصلاة الواعية، فإذا كان أهم عوامل القرب من الله تعالى في الصلاة هو حضور القلب والتمعن في حركات الصلاة وأذكارها المتنوعة في مقام التعظيم والتنزيه والثناء، فصلاة تفتقر لحسن الظن بالله تعالى والثقة بتدبيره والتوكل عليه، وتخلو من الصدق مع الخالق والندم على مقارفة الخطايا، والبكاء على النفس وما أجرمته من مقابلة الإحسان بالجحود، لا يمكن لهكذا صلاة أن يأمل الخروج منها بعطايا ربانية.

من معاني التهيئة النفسية للصلاة هو التأمل في أحوالنا والوقوف مع النفس وقفة محاسبة وتدقيق في أعمالنا، فهذه الجوارح التي نستخدمها في كل حواراتنا وتصرفاتنا ستشهد علينا يوم القيامة وستنطق بالحق، فهلا كانت شاهدة لنا بالخير والصلاح والخضوع والتذلل لله تعالى، وخير شاهد لذلك هي الصلاة والتي تكسب المصلي تواضع النفس وتنزع منه بذور الاستكبار والتعالي على الآخرين.

أو ليست الصلاة ميدانا لمعرفة المرء نفسه وتصاغرها أمام عظمة الله تعالى، فهل تملكنا ذاك الإحساس بالرهبة من الوقوف بين يديه وتذكرنا الوقوف يوم الحساب وقد نصبت الموازين ونشرت الصحائف؟

روح الصلاة ومعانيها فيوضات نورانية لا تشرق إلا في النفوس المقبلة بكل وجدانها وفكرها، فتنقطع العلائق بزخارف الدنيا والتفكير بها وتقليبها أثناء الصلاة، فيستشعر مقام الصلاة وكأنها اللحظات الآخيرة في حياته، أفلا تقوى عنده اليقظة الروحية حينئذ ويقبل بكل كيانه على ربه، قد تجلبب بالاعتراف والإقرار بالذنوب والتقصير، وجعل استغفاره عزما قويا بألا يقارب ما يسلبه قوة الإيمان ونقاء القلب من الكادورات.