آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 11:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخطاب السجادي

مفاصل ذاك الخطاب في مسير السبايا وعند وصوله للكوفة والشام، وقد تصور أعداء الله تعالى أن الإمام السجاد قد أعياه المرض وأضناه تعب المسير الشاق، وأخرس - حاشاه - لسانه الناطق بالحق والحكمة هول ما جرى على أبيه وأصحابه من آلة البطش والتنكيل، فما عادت عنده من قوة ورباطة جأش تؤهله لاتخاذ موقف معاد للسلطة الغاشمة، واطمأنت قلوبهم السوداء المحشاة بكل ألوان الحقد والكراهية بأن مؤامرتهم وجريمتهم بانتهاك محارم الله تعالى في الطف قد محيت آثارها وانتهت مفاعيلها ولم يعد لها أي ذكر في الأذهان، مما يخاف منه أن يؤرق عروشهم الهاوية ويحرك عواطف الناس ويثير غضبتهم، من فداحة ما جرى في كربلاء وما بعدها من جريمة غير مسبوقة، تتفطر لها ألما وتسكب دما صم الصخور.

وتعمية على الحقيقة وتخديرا لما بقي في الأمة من نخوة نفوس تأبى العدوان، عمد الجهاز الإعلامي للسلطة الغاشمة على بث الأخبار الكاذبة لتمرير جريمتهم، وذلك بنشر خبر عن هؤلاء السبايا الذين يطاف بهم من بلد إلى بلد تشفيا وانتقاما من الدوحة المحمدية، مفاده بأنهم حثالة خوارج - حاشاهم - خرجوا على السلطة فنالهم ما نالهم من تلك المواجهة العسكرية، فإخفاء الحقيقة كان يهدف - فيما يروم تحقيقه - إلى وأد ردة الفعل القوية من الناس لو علموا بأن القتلى هم سبط الرسول الحسين وأصحابه، وأن هؤلاء النسوة اللاتي سبين هن بنات الرسالة، فلا يأمنون نقمة الناس ورفع صوتهم العاطفي - وما بعده - تجاه ما جرى من مجزرة مروعة، ولكن الخطاب السجادي وقيام الإمام بدوره الرسالي الذي تقتضيه تلك المرحلة، من بيان لحقيقة ما جرى في كربلاء وأبعاد النهضة الحسينية الإصلاحية، خيب آمالهم وسعيهم وكشف الجريمة المروعة ورفع القناع المزيف، فوقف الإمام السجاد - كجده المصطفى ﷺ - في الناس خطيبا في الكوفة والشام، بما يكشف الحقيقة ويجلي الصورة الواضحة - بلا اجتزاء أو تزييف - لواقعة الطف، فهناك حلقة صراع ما دارت من أجل حطام دنيا زائل أو تسلم حكم، بل صراع بين الحق والصلاح والقيم من جهة والباطل والاستبداد وانتهاك الحرمات والمنكرات من جهة أخرى، وفي تعريفه بنفسه عمد إلى ذكر مصائب كربلاء وجانبها المأساوي المؤلم وبيان حقيقة فاجعة الطف، حيث هناك قتل سبط الرسول ﷺ وأصحابه ومثل بأجسادهم، قضوا عطاشى ورفعت رؤوسهم على الرماح وسبيت نساؤهم في فعل خسيس تخلو منه أحط مرحلة هي الجاهلية الأولى.

والإمام السجاد في إثارته لعاطفة الناس الواعية ما كان يهدف لاستدرار دمعتهم لموقف مفجع يبكي كل من سمعه، ولكنه أراد ترسيخ فاجعة الطف في ذاكرة ووجدان الأمة إلفاتا لأهداف الإمام الحسين الإصلاحية ودعوة الناس لتجسيدها في واقعهم في كل زمان، فالنهج الحسيني يتبنى البصيرة والوعي والإرادة القوية وشجاعة الموقف ورفض الظلم والفساد والاستبداد، وهذه كانت بذرة وبداية المنبر الحسيني المؤثر في وعي وثقافة المستمعين والمتلقين ويبث فيهم الروح الحسينية المعطاءة في جميع أبعاد حياتهم وعلاقاتهم، وهذا ما يفرض علينا اتخاذ نهج الإمام السجاد الإعلامي والتوعوي في بث القيم الدينية مع ربط الأجيال بقدوة عظيمة أبت الخنوع والإذلال، وجسدت التعاليم الإسلامية في أحلك الظروف والضغوط، ألا وهو السبط الشهيد ومن كان معه من نفوس أبية افتدت الدين وواجهت القتل بأبشع صوره، فخلدتها ذاكرة الأحرار.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 5 / 10 / 2018م - 9:19 ص
لله صبر السجاد.
لو كان جبلاً هوى ولو كان جيشاً انهزم. ما ذاق رجلٌ مرارة الظلم التي ذاقها.
الانَ يذوق أعداءه ما ذاقَ ويبقى في الخلد يلعنهم.
احسنت