آخر تحديث: 16 / 12 / 2018م - 11:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا الثقافة؟ «2»

حسن آل جميعان

تحدثت في المقالة السابقة ”لماذا الثقافة؟“ عن أهمية الثقافة بالنسبة للذات، وتأثيرها على المجتمع وحركته الثقافية، ومساهمتها في إثراء الوعي الجمعي الذي يجعل الأفراد أكثر قدرة على تقبل واحترام التنوع، وكذلك الآراء الجديدة، وايضا أشرت إلى أن بعض المجتمعات تحصل فيها ممانعة لأي ثقافة جديدة، وهذه سمة بارزة في المجتمعات المحافظة التي تتوجس من طرح الأفكار وتداولها في المجتمع. وتأتي هذه المقالة ضمن سلسلة مقالات تسلط الضوء على محاضرات الشيخ حسن الصفار حفظه الله التي طرحها في شهر محرم لهذا العام 1440 هـجرية.

هنا سنتحدث عن اشكالية الثقافة الدينية في أمرين:

أولا: أزمة الهوية وتأثيرها: تعاني المجتمعات العربية والإسلامية من أزمة صراع الهويات أو أزمة الهوية، وهذا بطبيعة الحال يجعلها في حالة صراع مستمر ودائم، هذه الأزمة نتيجة الثقافة المهيمنة في الحالة الدينية، حيث تعتقد كل طائفة أو جماعة دينية أنها صاحبة الحق المطلق، تجذر هذه الثقافة الاقصائية ساهم في تخلف المجتمعات وجعلهم في خشية وخوف من بعضهم البعض فضلا عن التفاعل مع المجتمعات الأخرى المختلفة عنها دينيا وثقافيا وعلميا، مما ساهم في سلبية أبناء المجتمع العربي والاسلامي وتخلفهم عن ركب الحضارة والتقدم، والسبب كما اعتقد أن الهوية شابها الكثير من الغموض وعدم الفهم من قبل الفاعلين في الجماعات الدينية، هذا نتيجة خلق صراع بين الهويات مما جعلها تتقاتل وتتصارع كما يعبر المفكر أمين معلوف، وكان من المفترض ألا يحدث ذلك لأن الهوية متعددة ومتحركة وليست جامدة كما يصور البعض.

ثانيا: الموقف من المثقف: العلاقة بين المثقف والمجتمع المتدين شابها الكثير من التأزم والتوتر، خاصة إذا كان المثقف يطرح أفكار خلاف السائد والمألوف مما يجعل المجتمع الحامل لتلك الثقافة يرتاب من أي شخص مثقف، أو صاحب فكر جديد، وهذا نتيجة جمود الثقافة الدينية في مجتمعاتنا، مما يجعلها ترفض هؤلاء المثقفين والمفكرين إلى درجة طردهم والتنكيل بهم كما حدث إلى البعض كالمفكر المصري فرج فودة والمفكر المصري نصر حامد أبوزيد وغيرهم، وهذا ليس حصرا على مجتمع معين بل ينطبق على أي مجتمع ثقافته تميل إلى السكون والجمود، وهذا يجعل الثقافة غير قادرة على انتاج الجديد، وتصاب مع الوقت بالترهل والعجز عن التفاعل مع الأحداث المستجدة في مجتمعاتها، وتصبح بيئة طاردة لأي مختلف فضلا عن مثقف أو مفكر، مما يجعلها غير جاذبة للكفاءات الفكرية والثقافية وحتى العلمية.

ولذلك فإن الثقافة الدينية بحاجة إلى معالجة اشكال أو أزمة الهوية المهيمنة على تفكيرها، مما يجعلها عاجزة عن التفاعل مع الواقع، واكثر ميلا للعزلة والانطواء من الثقافات المختلفة، وهذا بطبيعة الحال شيء غير صحي إذا لم تتخلص منه في القريب العاجل سوف ينتج لنا حركات متشددة ومتطرفة كما حصل مع الحركات الإرهابية مثل القاعدة وداعش، حيث ظهور مثل هذه الحركات بسبب عدم قدرة الثقافة الدينية على تقديم أجوبة ردا على أسئلة الجيل الشاب مما يخلق لهم ردة فعل سلبية، وهذا يجعلهم أمام خيارين إما ترك الدين كما يحصل للبعض منهم أو الميل نحو التشدد والتطرف، وكلا الأمرين نتائجهم غير محمودة الجانب وهذا لا أحد يتمناه أو يرجوه، كذلك على الجماعة المتدينة تقبل الآراء المختلفة واحترام الفرد الذي يأتي بها، مما يساعد في خلق بيئة حيوية جاذبة للكفاءات العلمية والثقافية في المجتمع، ويساهم في بروزها وتفاعلها وقدرتها على انتاج ما يثري الساحة الفكرية والثقافية والأدبية، ويصبح المجتمع أكثر تقبلا للإنتاج العلمي والثقافي، والتفاعل الإيجابي مع الحضارات الإنسانية المختلفة.