آخر تحديث: 18 / 11 / 2018م - 7:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

«بين مكان وجودك، والمكان الذي تريد..»

ليالي الفرج *

إنّ ما يعزز شعور الفرد الإيجابي لبلوغ هدفه المنشود في الحياة، هو ذلك الإحساس العظيم، الذي يبدأ مُتّقِداً في مرحلة بارزة، تتمثل في حركة البذل والجهد، ضمن محاولات الوصول إلى الهدف المرحلي، الذي يحفّز إلى تحديد هدف آخر؛ إذ التوقف عند محطة الهدف المرحلي، ينزع إلى جهة السكون، بينما تحقيق الأهداف يتطلب روحاً دؤوبة من الحركة والاستمرارية. ولعل وجود هدف بحد ذاته، في حياتنا، ليس بالأمر العظيم جداً، بل إنه هو الجزء السهل في دالّة النجاح الإنساني.

من منا لا يريد أن يبلغ هدفه؟!.. بلا تشكيك، الجميع يريد تحقيق هذه الأهداف، لكن التحدي الحقيقي، يبدو صريحاً، أثناء تحديد ما إذا كان الفرد على استعداد لقبول التضحيات المطلوبة لتحقيق ذلك الهدف، وهل ثمّة انسجام بين نمط الحياة الذي يعيشه طالب الهدف وبين حجم سعيه وكفاءته وفعالية شخصيته؟ أم أن شخصيته ليس لديها القدرة على تجاوز ثقل المهمة، والركون إلى جهات الدّعَة والسكون؟

ومن غير التمسك بطريق أو منهج يتحمل الكثير من الضغوط، ويصبر على الكثير من أوجه الحرمان الوقتي لبعض الرغبات، فإنّ النتائج غالباً ستتبع مقدّماتها السالبة.

وعموماً، من السهل الجلوس والتفكير فيما يمكننا القيام به، أو ما نود تحقيقه، رغم النتوءات غير المريحة التي تفاجئنا، أثناء مسيرة العمل نحو تحقيق التطلعات. الكل يريد ميدالية ذهبية في مجاله، لكن هل الناس يحرصون على التدريب والبذل لينالوا ذلك المركز؟.. هذا يقودنا إلى الإقرار بأن خطة الوصول للهدف يجب أن تضع في حسابها تقدير جميع التكاليف والمجهودات العالية التي نرغب في دفعها عبر رحلة السعي الجّاد للوصول للهدف، نفس القدر الذي تتراءى لنا خلاله تلك المكافآت الملموسة والمحسوسة، التي تأخذ حيزاً وافراً من اهتمامنا وإصرارنا.

أنْ نكون جادين في تحقيق أهدافنا، يعني أن نبدأ بسؤال مقلوب ومختلف تمامًا عن ذلك الذي في وجداننا. وبدلاً من التفكير في نوع النجاح الذي نريده، يجب أن نسأل: ”ما نوع التعب أو الألم الذي سنتحمله ونصبر عليه؛ طلباً للظفر بمغنم النجاح ولذّة تجلياته؟“.. هذا ما تتبناه استراتيجية المدوّن الأمريكي مارك مانسون Mark Manson؛ إذ يخبرنا: إنّ وجود هدف محدد، ما هو إلاّ الجزء اليسير والمتاح دون عناء. والاستفهام الذي يستحق مزيداً من التأمل هو: هل فكرنا لماذا نصنع الخطط، بينما لا نتخذ الطرق الإجرائية الرشيدة التي تحقق المبتغى؟!

أحد التفسيرات تقول إذا أردنا إعطاء إجابة لسؤال مثل: لماذا تحكم حياتنا المماطلة التي تعيدنا إلى حيث ابتدأنا؟.. حتماً هذا له علاقة بما يطلق عليه ”عدم اتساق الوقت“؛ إذ يشير عدم الاتساق الزمني إلى ميل الدماغ البشري إلى تقدير المكافآت الفورية أكثر من المكافآت المستقبلية. وكمثال، عندما تضع خططًا لنفسك بهدف الوصول إلى هدف وزن جسمك المثالي، أو تأليف كتاب، أو تعلم لغة جديدة، فإنك، في الواقع، تضع خططًا لمستقبلك الذاتي. أنت تتخيل ما تريد أن تكون عليه حياتك في المستقبل، وعندما تفكر في المستقبل، فإنه من السهل على عقلك، أن يرى القيمة في اتخاذ إجراءات ذات فوائد على المدى الطويل، عندما يحين الوقت لاتخاذ قرار، ومع ذلك لم تعد تختار لنفسك مستقبلا. أنت الآن في هذه اللحظة، ويفكر عقلك في «الذات الحالية». وقد اكتشف الباحثون أن الذات الحالية تحب الإشباع الفوري، وليس المردود على المدى الطويل. هذا هو أحد الأسباب التي تجعلك تشعر بالسعادة عندما تشعر أنك متحمس لإحداث تغيير في حياتك، ولكن عندما تستيقظ، تجد نفسك تسقط في الأنماط الحياتية القديمة. يقدّر دماغك «الفوائد على المدى الطويل»، عندما تكون في المستقبل، ولكنه يقدّر «الإشباع الفوري» عندما يتعلق الأمر باللحظة الراهنة. هذا هو أحد الأسباب التي تجعل القدرة على تأخير الإشباع بمثابة مؤشر كبير للنجاح في الحياة. ولهذا يمكن أن يساعدك فهم كيفية مقاومة سحب الإشباع الفوري، على الأقل في بعض الأحيان - إن لم يكن باستمرار - في سَدّ الفجوة بين مكان وجودك والمكان الذي تريد أن تكون فيه مستقبلاً.

كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.