آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 8:15 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المؤذن السكران

الدكتور محمد المسعود

قال جرو لأبيه: رأيت في الرابعة عصرا الديك المؤذن وهو سكران يرقص أمام الحظيرة.. حتى سقط في حوض الماء.. وكان صوته من كثرة الشراب.. متغيرا.. وكأنه صوت الشيطان الرجيم …!!.

قال الأب بحزن ظاهر:

- يا ولدي..! لقد ذبح الديك في هذه الساعة..! داخل الحظيرة بحضوري.. وأمام عيني.. ثم ألقي به خارجها..! ليلفظ آخر أنفاسه..

لم يكن سكرانا ولم يكن يرقص.. بل هي إنتفاضة كل عصب فيه قبل خروج الروح منه..!

والصوت الذي سمعته أنت كأنه صوت شيطان رجيم …!! ربما.. هو آخر أذان له في الدنيا ولكنه يخرج مع حشرجة النفس. وربما كان آخر أستغاثة له لله.. أن يرحمه … قبل خروج الروح..!!.

إنه فعل الظن السيئ الآثم.. وهو من أفعال القلوب التي تجعلك ظالما لمن يستحق الرأفة والرحمة والمعونة والشفقة

يروي أحد المؤلفين قصته المخجلة جدا في هذا الصدد يقول: كنت أقرأ بهدوء في مقصورة الدرجة الأولى في القطار وفي واحدة من محطاته ركب رجل ومعه طفلة وولدين جلس الرجل بجوار النافذة ينظر للخارج بصمت..!

وبدأ أطفاله الثلاثة اللعب والضحك والصراخ والجري دون أن ينبس بحرف ولا ينطق بكلمة..!!

وكأنه قالب من شمع.. مما أثار حنقي وغضبي عليه فلم أتمالك أعصابي وقمت من مقعدي ووقفت أمامه وقلت بصوت مرتفع حاد وبدون مقدمات قلت له صارخا:

- أظن أن هذه المقصورة ليست لك والى أولادك وحدكم..!!

أرجو أن تحترم الأخرين وتطلب من أبنائك الهدوء والإحترام للركاب..!!

وقف الرجل وهو مرتبك جدا وجمع أولاده الصغار حوله، وقد سمعو كلماتي.. وصمت الجميع فورا.. وشعر الأطفال بالخوف الشديد وجلس كل واحد منهم في مقعده.. مع شعوري الباطني بالنصر والغلبة … بعدها أقترب مني الأب وقال لي هامسا:

- أعتذر أليك سيدي.. لأني لم أمنع أطفالي من اللعب.. مما تسبب في إزعاجك..! ألأن رجعت من المستشفى وقد ماتت أمهم بعد عذاب طويل مع مرض السرطان.. وإني أحببت لهم الفرح واللعب قليلا.. قبل أن تبلغهم فاجعة الرحيل الدائم لأمهم …!!.

يقول الكاتب شعرت بالخجل الشديد من نفسي، وماتت الكلمات في فمي، وأنا أنظر للنظرات المذعورة لأطفاله المكلومين بفقد أعز ما يفقد على صغر سنهم..! جلست واجما والخزي يحيط بي من كل مكان..

- لقد كان الأب يفسح لأطفاله مساحة الفرح الأخير لتتسع قبل نزول جمرة اليتم على قلوبهم الصغيرة.. إلا أن سوء تقدير أحدهم حرمهم منها وألجمهم طيلة الرحلة..

ما أكثر حضور «ظن السوء» هذه في قلوبنا.. وأحكامنا على الناس، ما أكثر ما تفسده في قلوبنا، ما أكثر ما تتلفه في مشاعرنا، ما أكثر ما تسلبه من حبنا للناس وحب الناس لنا..!

رب ناظر أليك ولا يراك، لما يغشى قلبه من الغم، أو ما بما يغلف قلبه من حس الفقد..! فظن خيرا، وأضمر حبا، وألتمس عذرا.. وأمنح قلبك طهرا باردا.. وتباعد الى لطف التقدير..

رب.. من تباعد عنك الآن يستر عنك عوزه الحاضر. أو فقره الذي ألم به

ورب عجز أعجزه عن القيام بحقك.. والقيام بواجب إكرامك..!

لعل في القلوب أحمال ثقال، ولعل في النفوس غم غالب، ولعل على الروح حزن قاهر..

فقدنا بسبب طول الهجران لفضيلة حسن الظن سبعين محملا من حملة الإفتراضات الخيرة والحسنة..! لم يبق معنا إلا الظن السيئ بكل أحد، وبكل كلمة، وبكل موقف.. وبكل فعل … ظلال الخير لا ترى ولا يبصرها أحد، والعين لا تغمض عن منقصة..

حتى بتنا نرى إنتفاضة العصب الأخير من ألم خروج الروح.. رقصة سكران وفسحة الفرح الأخير قبل الفاجعة.. تهتك مبغوض..!

يجب أن نستيقن في نهاية هذه المقالة.. أننا في أخر يوم من أيام حياتنا.. سندرك.. أن أشد أنواع الظلمة على القلب والنفس.. هي ظن السوء بالله وبالناس.. وبأن أكثر القلوب راحة.. ونورا.. هي التي جعلت لكل ذنب سببا يوجب له المغفرة ولكل سيئة سببا يمنحها العفو.. وإن الكمال في الناقصين متعذر.. وإن الضعف طبع أدم في ذريته.

وإن كل واحد منا بحاجة الى سبعين سببا.. من أسباب حسن الظن فيه.. ولا يوجد سبب واحد لسوء الظن منه في الناس غير فساد الطبع.. وظلمة القلب.. والروح هي الأسباب الموجبة لها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
Abu Abdullah
[ القطيف ]: 30 / 12 / 2018م - 8:44 م
مقال جميل
بارك الله في كاتبه