آخر تحديث: 23 / 2 / 2019م - 2:55 م  بتوقيت مكة المكرمة

حين يتعطل الحس النقدي

السيد ابراهيم الزاكي

خلصنا في المقالة السابقة إلى أهمية أن يطور الفرد ملكاته الذهنية ومهاراته النقدية، ويُنمّي في ذاته الحس النقدي، كقيمة وممارسة، ليكون قادراً على التعامل مع تطورات عالمه وقضاياه وأحداثه بعقلانية حيادية، وبروح عالية من المسؤولية الأخلاقية، ويتحمل مسؤولية النقد بشكل موضوعي وعلمي منصف.

فالإنسان اليوم مع تقدم وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، أصبح بحاجة لأن تكون لديه المهارة والمعرفة والأدوات التي تساعده علىفرز وتحليل وفحص ما يستقبله ويتلقاه من معلومات، وأخبار، وخطابات، ورسائل، تتدفق عليه من كل حدب وصوب، والسعي إلى مناقشتها وتقييمها بدل تبنِّيها أو الانقياد لها من دون تروّيأو تفكير. فكما تحمل هذه المعلوماتوالرسائل الأخبار الصحيحة، والحقائق العلمية، والمعاني الإنسانية الرفيعة، فإنها في نفس الوقت يمكن أن تحمل الأكاذيب، والخرافات، وكل ما يغذي النفس بمشاعر الكراهية والعنصرية، ويؤجج العنف والصراعات.

من هنا تأتي أهمية البناء الفكري للإنسان، وتنمية مهاراته النقدية، وتعلُّم مادة التفكير النقدي كضرورة للتواصل مع العالم من حولنا، خصوصاً ونحن نعيش في عالم أصبح منفتحاً على بعضه البعض، وسط زحام وتنافس وصراع إعلامي يهدف إلى الاستحواذ على عقول الناس، وبرمجة سلوكهم، خدمة لأهداف تجارية، أو سياسية، أو أيدولوجية.

وحسب رأي شايع الوقيان، الكاتب في قضايا الفلسفة والنقد، فإن تعلُّم ”التفكير النقدي والفلسفي مهم جداً لتنمية الوعي، وترقية التفكير، وتهذيب النفس، وتقوية الشخصية. فاستعمال العقل بشكل صحيح يجعل المرء واثقاً في نفسه، مبدعاً غير مقلد، وفاعلاً غير منفعل، وقائداً غير مقود، ومبرأ من الوقوع في مكائد الفكر الخرافي والإرهابي. وهذه فضائل مرغوبة في كل نظام تعليمي“. «1»

غير أن هذه العقلانية التي ينفرد بها الإنسان، والخاصية النقدية التي يتميز بها، قد تصاب بالإعياء والترهل والتلف بفعل تغول وطغيان منتجات الاتصالات الحديثة، وتكنولوجيا المعلومات، حين تتسبب في تعطيل لغة العقل والتفكير والنقد والتحليل والتقييم، وتتقدم عليها لغة الإثارة والامتاع. فبدل أن تكون التقنية الحديثة فرصة لنمو الفكر والوعي، ومصدر إثراء وإغناء لثقافة الإنسان، بعد أن أصبحت المعلومة متاحة للجميع، وسهلة التحصيل، بفضل تكنولوجيا المعلومات وطرق توصيلها السريعة، إلا أن المشكلة تكمن حين يُغلِّب الإنسان بمليء إرادته الثقافة الاستهلاكية، ويكرس كل وقته لثقافة المرح واللهو والتسلية والترفيه على حساب ثقافة العلم والقراءة والمعرفة.

ومع ذلك فإن توجيه النقد لمنتجات الاتصالات الحديثة ”ليس المقصود منه نقد التسلية والترفيه والمتعة، أو منعها والغاءها، فهي حاجة إنسانية لا شك فيها كي يجد المرء توازنه، ويستعيد حيويته بعد العناء والكد. إنما النقد ينصب على تكريس المرح والتسلية كثقافة قائمة بذاتها، وكنمط موجود يقوم على مجرد الاستهلاك، واقتناص متع اللحظة الراهنة. والمشكلة تبرز حين تقدم هذه الثقافة للشباب على أنها نمط الوجود المفضل، مما يقولب القيم والسلوكيات على حساب البناء والإعداد والانجاز. وتبرز المشكلة حين يتم الربط الشرطي ما بين ثقافة المتعة وصور الشباب المتمتع بالحيوية والفرح والانطلاق والتحلل من الأعباء والعناء، في حالة من اللهو وخفة الظل حتى العبثية، ذلك أن هذا الربط يدفع إلى الغرق في الراهنية دون ما عداها“. «2»

وأزيد من ذلك ها نحن نرىوسائط الاتصال والمعلومات تتطور بصورة مذهلة، وصار بوسع الإنسان أن يحصل على مقادير هائلة من المعلومات الضرورية بيسر وسهولة بالقياس لما كانت عليه الحال قبل عقود قليلة، حيث ”أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تضج يومياً بآلاف الصور ومقاطع الفيديو حول مختلف الموضوعات الحياتية. ولو تم إخضاع هذه المواد المنشورة للتحليل لما استغربنا بأن كثيراً منها تحمل الطابع الترفيهي مقارنة بالمواد الأخرى ذات الطبيعة الجادة أو المفيدة. فاستخدام وسائل الإعلام لأغراض ترفيهية يكاد يكون من أكثر الاستخدامات جذباً للجمهور كما ثبت ذلك في بعض الدراسات الإعلامية التي طبقت نظرية «الاستخدامات والإشباعات» لوسائل الإعلام. وفي عالمنا العربي هناك ما يقارب الألف قناة فضائية، كثير منها قنوات ذات طابع ترفيهي ومنوّع. كما أن معظم البرامج في القنوات الاجتماعية والمنوعة هي ذات طابع ترفيهي أيضاً“. «3»

خلاصة القول بأن التقنية الحديثة لن تكون ذات جدوى ثقافية جديرة بالاغتناء حين يتم التعامل مع منتجاتها على أنها فقط مادة للاستهلاك، من خلال التسلية والترويح والمتعة والمشاهدة، من دون بذل الجهد للاستفادة من الفرص التي توفرها هذه التكنولوجيا للارتقاء بنوعية حياة الإنسان وتطوير وعيه وثقافته. فالاختراعات العلمية والتكنولوجية تشهد تراكماً نوعياً يوماً بعد يوم، حيث إن اغتناء التكنولوجيا والسباق للحصول عليها لا يشكل معضلة حقيقية، وإنما الذي يخلق المشكلات ويؤدي إلى تفاقم الأمور هو طريقة استخدامها، والمجالات التي توظف فيها، حين يتطور السباق على اغتنائها واستخدامها إلى مزالق غير محمودة وخطرة على ثقافته الإنسان وقيمه وقيمته.

1 - الفلسفة.. العلم الذي يرفض التبعية والانقياد. تحقيق عبير البراهيم. جريدة الرياض. 09/02/2019

2 - من كتاب حصار الثقافة. مصطفى حجازي. المركز الثقافي العربي. ص 60. الطبعة الأولى، 1998

3 - الإعلام الاجتماعي والتسطيح. أحمد المنصوري. جريدة الاتحاد الإماراتية. 15/01/2013