آخر تحديث: 24 / 6 / 2019م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

قوى التغيير الناعمة

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

ما يحدث في السعودية على الصعيد الثقافي مهمٌ جداً، وعميق التأثير. في الرياض معرض دولي للكتاب، في حين يشتعل شرق السعودية بفعاليات «موسم الشرقية» الثقافي والفني، وغداً ينطلق «مهرجان أفلام السعودية» أهم حدث سينمائي تشهده المملكة.

عاصفة التغيير تبدأ من الثقافة، وهذا الحراك الذي يعّم البلاد ليس مجرد «مناسبات» احتفالية، بل هو عنوان التحول في بنية المجتمع وثقافته، ونظرته لذاته وللآخرين من حوله.

بالنسبة لمعرض الرياض الدولي للكتاب، الحدث الأكبر من نوعه في العالم العربي، فهو ليس مجرد منصة لبيع الكتب، ولا حتى بزخم الفعاليات التي تجاوزت ال200، مهما كانت أهميتها ودورها... هو أكبر من ذلك لأنه يمسّ ثقافة المجتمع، يبدأ من القبول بالثقافات المتعددة، وترسيخ الإيمان بالمجتمع المتنوع، كما يكشف المعرض عن انفتاح الجمهور السعودي على الكتاب بمختلف أصنافه وأطيافه، من الأدب العالمي والروايات المشهورة إلى الفكر والفلسفة، إلى الدراسات الأكاديمية والتخصصية، إلى كتب السيرة والتراث، وهو يمنح الجميع الفرصة للتعرف على ما يعيشه العالم اليوم من نتاجات فكرية وأدبية وفلسفية، وما تنتجه الثقافات المختلفة، وهذا مهم لأنه يجعل الكثير يخرج من «شرنقة» الثقافة المغلقة، أو الموجهة.

لقد ورثنا ثقافة التوجس من الكتاب ومن أي فكر مخالف، ما نجم عنه ترسيخ التعصب في ثقافتنا، وقد كان معرض الكتاب، على مدى السنوات الماضية، مجساً يكشف التيارات التي تسعى لحيازة المجتمع واستملاكه، وكان يشهد بعض التصادم الذي يأخذ أحياناً شكلاً خشناً يُستخدم فيه العنف اللفظي والجسدي، والذي كان يمثل أعلى موجة لقوى الممانعة التي دأبت على إعاقة الحركة نحو التحديث.

في شرق السعودية هناك «موسم الشرقية»، وهو حزمة واسعة من الأنشطة تبدأ من الشرقية، وستلف مختلف أرجاء البلاد، وتجمع بين الثقافة والفنّ والترفيه، والأثر المهم الذي تتركه هذه المنتجات أنها توسع قاعدة النقاش الحرّ، وتفتح أفقاً متعدداً للناس الطبيعيين الباحثين عن وسائل للتعبير لا تُفرض عليهم قناعات محددة، ولا تمسك بأيديهم إلى نهايات لم يختاروها بأنفسهم. تفكيك بنية التشدد يحتاج إلى فتح الأبواب والنوافذ وكل الفضاءات لعناصر متنوعة ومتعددة، وليس إمساك المعول لتكسير البنية الصلبة للتشدد التي ترزح فوق رؤوسنا. حين تُفتح الأبواب سيدخل التغيير، وحين تطلق إرادة الناس فسوف يختارون بأنفسهم ما يريدون، عندها سيبدو التطرف وضيعاً ومعزولاً ولا يمكنه أن يستخدم قواه التدميرية.

الحدث الثالث القادم هو «مهرجان أفلام السعودية»، في دورته الخامسة. أهمية المهرجان ليست فقط في أنه تعبير عن انتصار ثقافة الانفتاح، ولكن أهميته أنه يُظهر لنا قوى التغيير الناعمة، مثل عشرات الشباب والشابات صُناع الأفلام السعوديين الذين طوّروا ونمّوا تجاربهم من العدم، ونجحوا في تقديم إنتاج سينمائي شبابي يعبر عن نفسه في أيقونات فنية ذات رؤية جمالية، ولديها قدرة على قراءة التحولات برؤية واعية، مع صنع الدهشة والإبهار.

السينما منتج شعبي يعبر عن هوية وثقافة وحضارة الشعوب، ويعبر عن انتمائها للعالم وللجمال، وغياب السينما أصاب الذائقة الجمالية للمجتمع بأسره، تماماً كغياب الفنون والمسرح، كله جعل الحياة أكثر قسوة وأشد صرامة، وأكثر عبوساً.

وفي المحصلة؛ هناك من قاوم التغيير على مرّ الزمان، خوفاً على الثقافة السائدة، وعلى منظومة القيم المتوارثة، وعلى نمط التدين وعلى العادات والتقاليد، ولم يتم الالتفات لحجم الضرر الناتج عن تعطيل حركة المجتمع والدولة، وعن تأخير التنمية الثقافية والإنسانية، وعن الفجوة التي تفصلنا عن العالم.

لكنّ، اليوم الثقافة هي من تقود التغيير نحو المستقبل، وهي من تقدم للشباب وسائل التعبير المتعدد، تغيّر المشهد وتفتت حصوات التعصب، وتساهم في خلق مجتمع متعايش ومتسامح.