آخر تحديث: 19 / 4 / 2019م - 3:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مشجعون من الطراز القديم

أثير السادة *

الذين زحفوا بالأمس باتجاه الصالة الخضراء لأجل تشجيع الخليج في مواجهته ضد الوحدة لم يكونوا من طراز المشجعين المستهلكين كما تعرفهم سوق الاحتراف الكروي في عالم كرة القدم، أي الذين يتأثرون بأشكال التفضيل التي تؤسس لأشكال الولاء لهذا الفريق أو ذاك، وإنما هم مشجعون من الطراز القديم الذي يجد في فريق بلدته عنوانا لتعزيز هويته الاجتماعية، أي أن دوافع الولاء محسومة على مستوى الانتماء الجغرافي والتاريخي والثقافي، لذلك يندفع الجمهور لتعزيز هذه الرابطة بينه وبين الفريق كوحدة اجتماعية مصغرة، يتماهى معها كامتداد لهويته وصورته، ويدفع ناحية التشديد على كل ما يذكر بهذه الرابطة العاطفية مع المكان وتمثلاته الثقافية.

الصالة التي امتلأت إلا قليلا كانت تتلون بهواجس الناس الاجتماعية والثقافية والتي تتمثل في رغبة استعادة “البراند” المفقود في ذاكرة الناس، أي صورة الخليج كعلامة فارقة في سرديات كرة اليد ما قبل الألفية الجديدة، يوم كانت الناس تجد في صعود الخليج على منصات التتويج سبيلا للتعريف بالمدينة الصغيرة، والإشارة إلى هويتها، وناسها، الأمر الذي يفسر خيبة الناس في السنوات الفائتة حيث الغياب عن البطولات يعادل التهديد الدائم لوجودهم الاجتماعي ضمن خارطة الوطن، في الوقت الذي أصبحت محطات الخلاف داخل النادي أكثر حضورا في الصحف من محطات النجاح والاستحقاق.

في الملعب حضر الناس وحضرت معهم كل أشواقهم لقطع الطريق على نحس طال أمده، توسلوا كل الطقوس التي جربوها في التسعينات والثمانينات، من التحشيد إلى التزيين، وصولاً إلى الأناشيد التي مازالت هي الطريق إلى التعبير عن التأثيرات الثقافية التي صاغت وتصوغ مزاج المجتمع الصغير، فالغناء هو التعبير الصريح عن طبيعة العلاقة بين الجمهور والنادي، والتي تتوسل المكان “سيهات” لاستعادة المعنى المشترك بينهما، كل أغنية هي بمثابة استدعاء لذخيرة الناس الثقافية، وانحيازاتهم الذوقية، وذلك في أداء طقسي يجري دوزنته على إيقاع المباراة وتحولاتها.

لم تخرج أغاني المشجعين عن صورها القديمة، حيث الصدح بالصلوات يتقدم قائمة الرغبات، كحرز مذخر لهكذا مواجهات، إلى جوار التغني بسيهات، فالفريق، ثم الترحال بين أغاني نادي الخليج التي عرفها أواخر الثمانينات، واضح بأنه ليس هنالك انزياحات على مستوى اللغة ولا اللحن ولا المزاج، قصائد وأغان كثيرة استجدت خلال العقد الماضي دون أن تنال حظوة في مواقع التشجيع، فالحظوة لما تسلل من اغاني المعارضة العراقية في الثمانينات، والتي جرى الاعلان عن تحويلها إلى نشيد للفريق، ويليها تراث التشجيع الكويتي، والأغاني الشعبية، في حين أسهم الانفتاح على ألوان التشجيع المحلي في اختراق محدود عبر استجلاب أهازيج الساحل الغربي ضمن قائمة المفضلة.

تغيرت الوجوه كما تغيرت معادلات التنافس في كرة اليد المحلية، غير أن رغبة مشجعي الخليج مازالت حاضرة في استنهاض ذاكرة خبت، واستيلاد انجاز تأخرت ولادته، ومع كل المؤشرات الايجابية التي جلبتها نجاحات الفرق السنية الأخرى لهذا لعام إلا أن دائرة الخيبة مازالت تتسع، لتجعل من صدى الجمهور الذي احتشد يوم أمس بالصالة شيئا لا يشبه إلا حلم اليقظة.

وبس.