آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 5:01 م

شهر العافية: 15 - طغيان اللاشعور «ج»

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «48» وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا «49»... - صدق الله العظيم - الكهف.

تكلمنا مسبقا عن أثر حدة الصوت وذبذباته على الآخرين، وكيف أن الذاكرة قد تخطئ لأنها لا تخزن إلا القليل من الأحداث. بخصوص الذاكرة، الدماغ لا يستطيع تخزين كل شيء لأنه محدود السعة. يقول براين گرين في كتابه ”النسيج الكوني“: كل ذكرياتنا وبحذافيرها وعلى قياس پلانك مخزنة في الكون بصورة غير قابلة للمحو «انظر الآية الافتتاحية». ولكن ربما لا خوف ولا تثريب. هناك بشارة للَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ حيث يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.

تطورت ذاكرتنا بحيث أنها تعلمت أن تهمل الكثير من الأشياء والخبرات مع الاحتفاظ بالمهم فقط؛ الأصدقاء، الأعداء، الفرائس، الضواري، الطرق من وإلى المنزل،... الخ. نلاحظ أن الذاكرة تركز على ما يساهم في بقاء الإنسان، وتعطيه الأولية وتحتفظ به في أماكن يسهل استرجاعها وبسرعة. تخيل فقط أننا لا ننسى كل الأحداث، خصوصا الحزينة والمؤذية منها؛ حينها، لن نستطيع أن نعيش في سلام. لذلك، لا تظنن أن تذكر كل شيء في صالحك: وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

الحياة لا تخلو من الاستثناءات والنوادر إذ يعتبر الروسي سلمان شِرشِڨزكي «Solomon Shereshevsky» ممن يحمل أفضل الذواكر التي مرت على العالم. شِرشِڨزكي ليس محور حديثنا، ولكن تستطيع الاطلاع على قصته من خلال الروابط المدونة في الأسفل.

في أمريكا، يوضع المتهمون «كل منهم يحمل رقما» في حجرة مضيئة ويُؤتى بالشهود للإدلاء بشهادتهم في حجرة أخرى مظلمة حيث يشير الشاهد على المتهم. اتضح أن 25% من الذين تم اتهامهم، كان بالخطأ. واتضح أيضا أن 75% من الذين تم تبرئتهم من جرائم لم يرتكبونها اعتمادا على الفحوصات الجينية تم اتهامهم خطأ، وعلى الأرجح هذه التهم لم تكن مقصودة؛ مجرد خداع في الذاكرة. لدرجة أن إحدى المُغْتَصَبات اتهمت رجلا وتم سجنه، ولكن بعد التحقيق الجنائي ومن خلال الأدلة الجينية، أتت الشرطة بالفاعل الحقيقي ولكنها لم تتعرف عليه. قد نقول خانتها الذاكرة، أو قد نقول إن الوقع كان شديدا عليها لدرجة أن الدماغ أراد مسح هذه الذاكرة التي ستنغص حياتها إلى أن تموت.

الدماغ البشري ليس مهتما بالمشاعر والعواطف. الدماغ وُجد ليحافظ على الكائن أولا، ثم يتفرغ لأشياء أخرى لاحقة مثل التزاوج والتكاثر. لذلك وفي الغالب، الإنسان لا يدرك نفسه كثيرا ولا يعرف كيف يُمَيِّز أو يتعامل مع المشاعر في كثير من الأحيان. السبب في ذلك أن المشاعر تأتي من اللاشعور بحيث يلتقط الدماغ المؤثرات المحيطة ويعرضها على اللاشعور الذي يرسل إشارات للوعي حيث يحتار فيها الإنسان كثيرا.

قامت بعض الأبحاث بتجارب لمعرفة حقائق هذه الأمور حيث عرضوا فتاة جميلة تمر فوق جسر على بعض الشبان الذين ظنوا أنها تغازلهم «بالرغم من أنها لم تفعل» فبادروها الشعور وحاولوا التواصل معها. ولكن الخبراء في هذه الحالة عزوا القضية إلى ارتفاع دقات القلب والمحيط الذي أعطى إشارات ظَنَّ الشبان أنها للمغازلة. وكم تحدث مثل هذه القضايا التي توقع البعض في كثير من الحرج. لذلك، توخوا الحذر، خصوصا في التعامل مع الجنس الآخر. وهذا دليل على أننا قد نخطئ في تفسير الإشارات التي تصلنا من اللاشعور. ولكن وبالرغم من ذلك، يبقى الإنسان يكابر وبكل ثقة ولا عجب لأن الإنسانَ أكثرُ شيء جدلا.

نحن نحمل شخصيتين متضاربتين؛ الوعي والذي يتصرف كعالِم يَزِنُ الأمور بموضوعية «في أغلب الأحيان طبعا»، واللاشعور والذي يعمل كالمحامي، يتخذ القرار أولا ثم يقوم بالدفاع المستميت لاحقا. وللأسف، المحامي لدى البشر أقوى من العالِم، ولذلك الكثير من الناس يرجحون قناعاتهم ومعتقداتهم ويبررون لها ويستميتون في الدفاع عنها حتى وإن رفضها الوعي فيهم. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ «145 - البقرة».

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.