آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الميزانية السعودية بين العجز والفائض «5»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

الطريقة المثلى لمن يريد نمو أعماله أن يعيد تمركز منشأته أو منشآته وفقا للمعطيات الجديدة، التي تقوم على التوجه لترشيد استخدام الأيدي العاملة وتوظيف التقنية والأتمتة كلما كان ذلك ممكنا، وذلك تحقيقا للمنافسة، ومن ناحية أخرى النظر إلى رفع نسبة المحتوى المحلي، فذلك هو الطريق للحصول على أفضلية في المشتريات الحكومية وفي مشتريات المؤسسات الوطنية العملاقة مثل ”أرامكو“ و”سابك“، على سبيل المثال لا الحصر.

أختم بطرح سؤال: ما فائدة تنمية الإيرادات غير النفطية؟ فوائد عدة، منها كسر هيمنة العوائد النفطية على مجريات الخزانة العامة، والاستفادة من الأنشطة الاقتصادية لتعزيز إيراداتها، وإعادة هيكلة آليات توزيع الثروة بما في ذلك العوائد النفطية على المجتمع بما يجرد المنظومة الاجتماعية - الاقتصادية من تأثيرات الريع، وينقلها إلى سياق الإنتاج. كل هذا يؤدي إلى انتقال منشآت الأعمال إلى نموذج عمل ملائم لهذه المرحلة والتخلي عما كان سائدا في الماضي. أما المنشآت التي تصر على التشبث بنموذج عمل لا يتلاءم فستعاني، وتخاطر بأن تخرج من السوق. لكل ذلك تكتسب الإيرادات غير النفطية أهمية، ويعني الكثير أن تنمو خلال سنوات قليلة «2014 - 2018» بمعدل 20 في المائة من 12 في المائة إلى 32 في المائة من إجمالي الإيرادات. وكذلك أن تحقق نموا إضافيا في الربع الأول من عام 2019، قدره 27,8 مليار ريال، هو الأول منذ الربع الأول لعام 2014، أي منذ خمس سنوات. وطبقا لتصريحات رسمية، ارتفع إجمالي الإيرادات بنحو 48 في المائة في الربع الأول لعام 2019 مقارنة بالربع المماثل من عام 2018، وارتفاع الإيرادات غير النفطية خلال الربع الأول من العام الجاري بأكثر من ثلاثة أضعاف الإيرادات غير النفطية المحققة في عام 2014، إذ بلغت نحو 76,3 مليار ريال مقارنة ب 21,9 مليار ريال في عام 2014.

وهكذا، يكمن الجدل في أن القضية ليست تنمية إيرادات مالية هدفا نهائيا، بل هي من أجل تحقيق ”الاستقرار المالي“، الذي بدا أنه لن يتحقق ما دام النفط هو ”المايسترو“؛ فحقيقة الأمر التي استمرت عقودا أن النفط يكتم تنميتنا ونمونا ثم يعاود لإطلاقهما بإشارة من إيراداته. هذا التأرجح المتعدي لإيرادات النفط لا ينسجم مع تحقيق اقتصادنا للقيمة الأهم ألا وهي ”الاستقرار“! كان منا من يراهن على أن بوسعنا مراكمة الاحتياطيات النقدية لتعمل ”ماصة صدمات“. حسنا، ولكن ماذا إن طالت فترة تراجع إيرادات النفط، فتآكلت الاحتياطيات برمتها، ثم اقترضنا بشكل كبير إلى أن ساوى الدين العام قيمة الناتج المحلي الإجمالي؟! هذه ليست افتراضات خيالية، بل هذا واقع عايشناه في وطننا هذا على مدى ثلاثة عقود، بدءا من منتصف الثمانينيات.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار